النص الرابع

النص

يعتقد الإنسان أنه سيد أفعاله — غير أن هذا الاعتقاد وهم يصنعه جهله بالأسباب الحقيقية التي تحركه. فالإنسان كائن طبيعي تحكمه قوانين الطبيعة كما تحكم سائر الكائنات، وهو بالتالي خاضع للضرورة في كل ما يفعل ويترك.

لا يتحكم الإنسان في تكوينه — فأفكاره لا تصدر عن إرادته بل هي نتاج مؤثرات خارجة عنه. أُحس بالعطش فأرى نافورة ماء فتنتابني رغبة في الشرب، وحين يُخبرني أحدهم أن بالماء سماً أمتنع عن الشرب. فهل كنت حراً فيما فعلت؟ العطش يدفعني بالضرورة إلى الشرب، والخوف من الموت يدفعني بالضرورة إلى الامتناع — وفي كلتا الحالتين لم أكن سوى منفعل لا فاعل.

قد يُعترض بأن إنساناً أقل حذراً قد يتجاهل تحذير السم ويشرب. لكن حتى هذا التصرف لا يُثبت الحرية — فهو مجرد تغلب لدافع العطش على دافع الخوف، لا صدور عن إرادة حرة. التصرفان معاً، رغم تعارضهما، محكومان بالضرورة.

إن قدرة الشخص على الاختيار لا تعني أبداً أنه حر — فهو لا يملك أن يرغب أو لا يرغب. وأقصى ما يستطيعه أن يُقاوم الرغبة أحياناً حين يفكر في عواقب الفعل — لكنه لا يستطيع دائماً هذا التفكير. تصرفات الأشخاص ليست حرة أبداً، بل هي في كل الأحوال نتاج سلسلة من الضرورات المرتبطة بأمزجتهم وأفكارهم المسبقة.¹

حلل النص وناقشه

مقترح التصحيح

أولاً — الفهم (04 نقط)

تحديد موضوع النص (01 ن)

يتناول النص موضوع الشخص بين الحرية والحتمية — هل يملك الإنسان إرادة حرة حقيقية تجعله سيد أفعاله، أم أنه خاضع لسلسلة من الضرورات الطبيعية التي تتحكم في رغباته وقراراته؟

صياغة المفارقة وإبراز الإشكال (02 ن)

تكمن المفارقة في أن الإنسان يشعر بأنه يختار ويقرر، لكن كل اختياراته تصدر في الواقع عن دوافع ومحركات خارجة عن إرادته — فالعطش يُحركه والخوف يُوقفه، ولم يختَر لا العطش ولا الخوف. ومن هنا يبرز الإشكال: الشخص بين الحرية والحتمية — هل الإرادة الحرة حقيقة أم وهم تصنعه الضرورة؟

صياغة الأسئلة الموجهة (01 ن)

ما الشخص؟ وما الحرية؟ وما الحتمية؟ وهل تكون القدرة على الاختيار دليلاً على الحرية، أم أن الاختيار نفسه محكوم بضرورات تسبقه وتتحكم فيه؟

ثانياً — التحليل (05 نقط)

تحديد أطروحة النص وشرحها (02 ن)

تقوم الأطروحة على مبدأ حتمي صارم مفاده أن الإنسان كائن طبيعي خاضع لقوانين الطبيعة — وهذا الخضوع يمتد من الجسد إلى الفكر إلى الإرادة ذاتها. فحيث إن الرغبة هي أساس الفعل الحر، وحيث إن الرغبة محكومة بمحركات خارجة عن الإنسان، فإن ما يُسمى حرية الإرادة ليس سوى وهم يُغطي عليه الجهل بالأسباب الحقيقية للأفعال.

تحديد أفكار النص ومفاهيمه والعلاقات بينها (02 ن)

تتضمن الفقرة الأولى ثلاثة مفاهيم متسلسلة — الطبيعة التي تحكم الإنسان، والضرورة التي تحكم أفعاله، والرغبة التي تحكم إرادته. ويتجسد تفاعل هذه المفاهيم في مثال الشرب والامتناع — حيث تتصادم ضرورة العطش مع ضرورة الخوف من الموت، ويخرج الفعل عن الحالتين محكوماً بالضرورة لا بالحرية. وتُعمّق الفقرة الثانية هذا التحليل بالخلوص إلى أن الاختيار نفسه لا يُثبت الحرية، لأن الاختيار يستلزم رغبة والرغبة محكومة بمحركات سابقة. وتجمع هذه الأفكار علاقة سببية متسلسلة: الطبيعة تُنتج الضرورة، والضرورة تتحكم في الرغبة، والرغبة تُلغي الحرية.

تحليل الحجاج المعتمد (01 ن)

يعتمد النص بنية حجاجية ثلاثية — يُقرر أولاً المبدأ العام وهو خضوع الإنسان للطبيعة، ثم يُجسّده بمثال ملموس عن الشرب والامتناع، وأخيراً يُحاور معترضاً محتملاً ليُفند اعتراضه ويُعزز أطروحته.

ثالثاً — المناقشة (05 نقط)

إبراز قيمة الأطروحة وحدودها (03 ن)

تكمن قيمة هذه الأطروحة في ضربها على وتر حساس — فهي تضع مشكل الحرية في سياقه الحقيقي وهو سياق الإرادة، وتكشف كيف أن كثيراً مما نسميه اختياراً حراً هو في الواقع استجابة لمحركات بيولوجية ونفسية واجتماعية لم نخترها. وهي في ذلك تتقاطع مع اسبينوزا الذي رأى أن الناس يتوهمون الحرية لأنهم يجهلون الأسباب التي تحركهم.

غير أن هذه الأطروحة تواجه اعتراضاً وجودياً جوهرياً — فاختزال الإنسان في سلسلة من الضرورات يُفضي إلى إلغاء المسؤولية الأخلاقية وتبرير كل فعل بدافع ما. فضلاً عن ذلك فإن الإنسان يُظهر في كثير من الأحيان قدرة على تجاوز دوافعه الأولية — كمن يصوم رغم الجوع، أو يتحمل الألم رغم غريزة الفرار — مما يُشير إلى هامش حرية حقيقي لا تستطيع الحتمية استيعابه.

فتح إمكانات أخرى للتفكير (02 ن)

في مقابل هذا الموقف الحتمي، يرى سارتر أن الحرية هي جوهر الإنسان وقدره لا يستطيع الفرار منها — فحتى حين يختار الإنسان الاستسلام للدوافع فهو يختار، وهذا الاختيار نفسه فعل حر. الإنسان محكوم عليه بالحرية — لا يملك أن يتوقف عن الاختيار، ولا أن يُحيل مسؤولية اختياراته إلى الطبيعة أو الظروف.

رابعاً — التركيب (03 نقط)

أثبت النص أن الإنسان كائن تحكمه الضرورات الطبيعية في رغباته وأفكاره وأفعاله — وأن القدرة على الاختيار لا تعني الحرية ما دامت الرغبة ذاتها محكومة بمحركات خارجة عن الإرادة. وتبقى قيمة هذا الموقف في تحريره الإنسان من وهم السيادة المطلقة على نفسه. غير أن الأجدر فلسفياً هو القول بأن الحرية ليست غياب الحتمية بل القدرة على الوعي بها وتجاوزها — فالإنسان الحر ليس من لا تحكمه دوافع بل من يعرف دوافعه ويختار موقفه منها.

الجوانب الشكلية (03 نقط)

تماسك العرض، سلامة اللغة، وضوح الخط، علامات الترقيم.

¹ هولباخ، بول هنري تييري. (1770). نظام الطبيعة. ترجمة عربية. دار الفكر العربي.