معايير الحقيقة

التمهيد

في عام 1637، نشر ديكارت مقالاً في المنهج وفيه برهن على مبرهنة الجيب في المثلث بالاستنباط الرياضي البحت — دون أن يقيس زاوية واحدة. في العام ذاته تقريباً، كان غاليليو يُسقط كرات من برج بيزا ويقيس زمن سقوطها بالتجربة المتكررة. كلاهما كان يبحث عن الحقيقة اليقينية — لكنهما لم يثقا بنفس المصدر.

المفارقة أن النتائج الرياضية لديكارت لا تحتاج إلى أي تجربة لتكون صحيحة — فمثلث الورقة ومثلث الجبل يخضعان للقانون ذاته. لكن قانون السقوط الحر عند غاليليو لو لم يُختبر لظل مجرد احتمال، إذ كان أرسطو قد "برهن" عقلياً قبله بألفَي عام أن الأثقل يسقط أسرع. من أين تستمد الحقيقة يقينها وشرعيتها — من البرهان العقلي الصارم، أم من التجريب الحسي والملاحظة؟

موقف غوتفريد لايبنيتز Gottfried Wilhelm Leibniz (1646 - 1716)

يُميِّز لايبنيتز تمييزاً جوهرياً بين صنفَين من الحقائق. حقائق العقل ضرورية ويقينية بشكل مطلق — نفيها يؤدي إلى تناقض منطقي لا مفر منه، كقولنا "المثلث له ثلاثة أضلاع" أو "الكل أكبر من الجزء". هذه الحقائق تُثبَت بمبدأ عدم التناقض وحده دون حاجة إلى تجربة. أما حقائق الواقع فممكنة لا ضرورية — يمكن تصور نقيضها دون تناقض، وهي تخضع لمبدأ السبب الكافي وتستند إلى التجربة والشهادة. يقول في مقالات جديدة في الفهم الإنساني:

"يجب التمييز بين نوعين من الحقائق: حقائق العقل وحقائق الواقع. حقائق العقل هي تلك التي ضرورتها مطلقة، ونفيها يستحيل لأنه يؤدي إلى تناقض... أما حقائق الواقع فهي ممكنة، ونقيضها ممكن أيضاً... المعرفة اليقينية تتحقق في حقائق العقل، أما حقائق الواقع فمعرفتها احتمالية وتستند إلى التجربة والشهادة."¹

تتمثَّل قيمة هذا الموقف في تفسيره لظاهرة حقيقية: قوانين الرياضيات والمنطق لا تحتاج إلى تحقق تجريبي لأنها ضرورية بطبيعتها، وهذا ما يجعلها أكثر يقيناً من أي ملاحظة حسية. غير أن الفصل الجذري بين العالمَين يُغفل كيف تتشابك الرياضيات والتجربة في المعرفة العلمية الفعلية — فغاليليو لم يكن يقيس فقط بل كان يستخدم معادلات رياضية لتفسير ما يقيسه.

موقف دافيد هيوم David Hume (1711 - 1776)

يقف هيوم في الطرف المقابل: العقل لا يخلق أفكاراً من العدم — كل ما فيه مستمد في نهاية المطاف من انطباعات حسية خارجية أو داخلية. حتى ما نسميه "ضرورة سببية" ليست في نظره ضرورة عقلية بل عادة ذهنية تنشأ من تكرار ارتباط ظاهرتَين — حين نرى النار ونشعر بالحرارة مرات لا تُحصى نتوقع الارتباط لكننا لا نُثبته بالمنطق. يقول في بحث في الفهم الإنساني:

"جميع مواد تفكيرنا مستمدة إما من انطباعاتنا الحسية الخارجية، أو من انطباعاتنا الداخلية... ما نسميه السببية ليس سوى عادة ذهنية تنشأ من تكرار ارتباط ظاهرتَين. لا يمكننا البرهان على العلاقات السببية بالمنطق، بل نستنتجها من التجربة المتكررة."²

تتجلَّى قيمة هذا الموقف في كشفه الجريء عن وهم اليقين العقلي في مجال الواقع — وهو الدرس الذي أهمله أرسطو حين "برهن" عقلياً على ما أسقطته تجربة غاليليو. غير أن رفض كل أساس قبلي للمعرفة يهدد بإفقاد الرياضيات ذاتها أسسها اليقينية، ويجعل كل استنتاج علمي رهينة الاستقراء الناقص الذي لا يصل أبداً إلى يقين مطلق.

الخلاصة التركيبية


تُعدُّ مسألةُ مصدرِ اليقينِ من أعمقِ الإشكالياتِ في نظريةِ المعرفة.

يُؤسِّسُ لايبنيتز لتمييزٍ جوهريٍّ بين حقائقِ العقلِ اليقينيةِ المستندةِ إلى المنطقِ والبداهة، وحقائقِ الواقعِ الاحتماليةِ المرتبطةِ بالتجربة. فالحقائقُ الرياضيةُ - في رأيه - تَستمدُّ يقينَها من ضرورتِها المنطقية، بينما تظلُّ الحقائقُ الواقعيةُ خاضعةً للاحتمال.

في المقابل، يُقلِّلُ هيوم من شأنِ المعرفةِ القبلية، معتبراً أن التجربةَ الحسيةَ هي المصدرُ الوحيدُ للمعرفةِ الواقعية. حتى العلاقاتُ السببيةُ - برأيه - ليست سوى عادةٍ ذهنيةٍ ناتجةٍ عن التكرار، وليست ضرورةً عقلية.

يَكشِفُ هذا التباينُ عن رؤيتينِ متعارضتينِ لمصدرِ اليقين: عقلانيةٌ تَرى في المنطقِ أساساً للمعرفةِ المطلقة، وتجريبيةٌ تُؤثِرُ الخبرةَ الحسيةَ مصدراً وحيداً للمعرفةِ الواقعية.

المراجع

¹ Leibniz, G. W. (1765). Nouveaux essais sur l'entendement humain. Éditions Garnier-Flammarion.

² Hume, D. (1748). Enquête sur l'entendement humain. Éditions Flammarion.