النص
لئن كانت الحيوانات تمتلك أنظمة تواصل فعّالة، فإنها غالباً ما تكون أنظمة إشارات غريزية ومحدودة، ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالحاجات المباشرة كالخطر أو الغذاء أو التزاوج. إنها إشارات لا تتجاوز حدود اللحظة الراهنة، وتفتقر إلى القدرة على الإبداع أو التعبير عن أفكار مجردة. أما لغة الإنسان فتُعدّ ظاهرة فريدة من نوعها. فهي ليست مجرد استجابة لمثير، بل هي نظام رمزي إبداعي ومنظم. فالعلاقة بين الكلمة ومعناها ليست علاقة طبيعية ضرورية بل هي نتاج اتفاق اجتماعي، وهذا ما يحرر اللغة من الارتباط المباشر بالأشياء. والأهم أن اللغة الإنسانية تسمح بتوليد عدد لا نهائي من الجمل ذات معانٍ جديدة انطلاقاً من عدد محدود من الأصوات والقواعد. هذه القدرة على التجرد والإبداع والتعبير عن الماضي والمستقبل هي ما يرسم الخط الفاصل الجوهري بين نظام الإشارات المغلق والموروث لدى الحيوان، والنظام الرمزي المفتوح والمكتسب الخاص بالإنسان.
الأسئلة
السؤال الأول: الفهم والتحليل (8 نقط)
أ. ما الموضوع الذي يعالجه النص؟ وما الإشكالية الفلسفية التي يطرحها؟ (3 ن)
ب. ما الأطروحة التي يدافع عنها صاحب النص؟ اشرحها مستعيناً بمفهومَي "الاعتباطية" و"النظام الرمزي المفتوح" كما وردا في النص. (5 ن)
السؤال الثاني: المناقشة (12 نقط)
أ. ناقش الأطروحة التي حللتها: ما قيمتها؟ وما حدودها؟ (6 ن)
ب. انطلق من حدود هذه الأطروحة لتعرض موقفاً مختلفاً يرى أن الفرق بين تواصل الإنسان والحيوان هو فرق في الدرجة لا في النوع، مستعيناً بمكتسباتك في مجزوءة اللغة. (6 ن)
مقترح التصحيح
السؤال الأول (8 نقط)
أ. الموضوع والإشكالية (3 ن)
الموضوع: يعالج النص المقارنة بين لغة الإنسان وأنظمة تواصل الحيوان لتحديد ما يجعل اللغة الإنسانية ظاهرة فريدة. (1 ن)
الإشكالية: هل الاختلاف بين لغة الإنسان وتواصل الحيوان اختلاف جوهري في النوع يجعلهما ظاهرتين مختلفتين كلياً، أم هو مجرد اختلاف في درجة التعقيد ضمن ظاهرة تواصلية واحدة؟ (2 ن)
ب. الأطروحة والمفاهيم (5 ن)
الأطروحة: يرى صاحب النص أن الفرق بين لغة الإنسان وتواصل الحيوان فرق كيفي جوهري لا مجرد فرق في الدرجة، لأن اللغة الإنسانية نظام رمزي مفتوح يتيح الإبداع والتجريد والتعبير عن الزمن، وهو ما يعجز عنه نظام الإشارات الحيواني المغلق. (2 ن)
الاعتباطية: هي غياب أي علاقة طبيعية أو ضرورية بين شكل الكلمة ومعناها، إذ ترتبطان بموجب اتفاق اجتماعي لا بموجب تشابه أو ضرورة، وهذا هو ما يُحرر اللغة الإنسانية من ارتباطها بالأشياء المباشرة ويجعلها قادرة على التعبير عن المجرد والغائب. (1.5 ن)
النظام الرمزي المفتوح: هو طابع اللغة الإنسانية الذي يجعلها قادرة على توليد جمل وأفكار جديدة لا نهاية لها انطلاقاً من عدد محدود من الأصوات والقواعد، خلافاً لنظام إشارات الحيوان المغلق الذي يقتصر على إشارات موروثة ثابتة. (1.5 ن)
السؤال الثاني (12 نقط)
أ. قيمة الأطروحة وحدودها (6 ن)
القيمة (3 ن): تكمن قيمة هذه الأطروحة في تقديمها معايير دقيقة وموضوعية لتعريف اللغة الإنسانية وتمييزها عن غيرها، وفي تأكيدها أن الإبداع اللغوي والتجريد الفكري ليسا مجرد درجة متقدمة من التواصل الحيواني بل قفزة نوعية حقيقية تُؤسس للحضارة والثقافة والفلسفة.
الحدود (3 ن): غير أن هذه الأطروحة تميل إلى التقليل من تعقيد أنظمة تواصل بعض الحيوانات كرقصة النحل التي تنقل معلومات دقيقة عن الاتجاه والمسافة، ونداءات الدلافين التي تتضمن بنية معقدة. كما تتجاهل التواصل غير اللفظي الذي يشترك فيه الإنسان والحيوان كلغة الجسد والنبرة الانفعالية.
ب. الموقف المختلف (6 ن)
يُقبل كل موقف مدروس مربوط بالإشكالية، من بينها:
الموقف الذي يرى الفرق في الدرجة لا النوع: اللغة الإنسانية ليست قطيعة مع ما قبلها بل تطور تدريجي لأنظمة تواصل أكثر تعقيداً. والتجارب التي أظهرت قدرة الشمبانزي على تعلم بعض إشارات لغة الصم دليل على أن حدود الفاصل بين الإنسان والحيوان لغوياً ليست بالحدة التي يدعيها النص.
الموقف الذي يرى الإنسان جزءاً من سلسلة حيوانية: التمييز الجوهري بين تواصل الإنسان والحيوان قد يعكس غروراً إنسانياً أكثر مما يعكس حقيقة علمية، فالطبيعة لا تعرف القفزات بل تعمل بالتدرج.
في جميع الحالات يجب أن يُظهر التلميذ كيف يختلف الموقف المعروض عن أطروحة النص ويربطه بالإشكالية المطروحة. (6 ن)