التمهيد
في أكتوبر 1917، اقتحم عدد من البلاشفة قصر الشتاء في بتروغراد وأعلنوا قيام الثورة. كان عددهم قليلاً، وكانوا يعملون في فوضى شبه تامة — يصف بعض المؤرخين تلك الليلة بأنها كانت أقرب إلى المسرحية الهزلية منها إلى الانقلاب المنظم. ومع ذلك، غيَّرت تلك الليلة مسار القرن العشرين كله.
يطرح هذا المشهد سؤالاً حرجاً: هل نجحت الثورة لأن لينين وأتباعه كانوا يمتلكون إرادة استثنائية وتخطيطاً واعياً؟ أم لأن التناقضات الاقتصادية في روسيا القيصرية جعلت الانهيار حتمياً وكان أي شرارة ستكفي؟ بعبارة أخرى: هل صنع هؤلاء الأفراد التاريخ، أم أن التاريخ كان يصنعهم؟
يبدو التاريخ حين يُقرأ للأمام سلسلة من الحوادث المفتوحة والقرارات الفردية، لكنه حين يُقرأ للخلف يبدو وكأنه كان لا بد أن يسير على هذا النحو. يتشكَّل هنا المأزق الفلسفي الحقيقي: هل يصنع الإنسان التاريخ بوعيه وحريته فيكون فاعلاً والتاريخ نتيجة، أم أن القوانين البنيوية هي التي تصنعه فيكون الإنسان أداة والحتمية سبباً؟

موقف نيكولو مكيافيلي Nicolas Machiavel (1469 - 1527)
يرفض مكيافيلي الثنائية الجامدة بين الحرية المطلقة والحتمية المطلقة، ويقترح توزيعاً براغماتياً للمسؤولية: نصف الأحداث التاريخية محكوم بالحظ — قوة لا يسيطر عليها الإنسان — والنصف الآخر رهين بإرادته وتدبيره. لكن الأهم عند مكيافيلي ليس هذا التوزيع الحسابي، بل الاستنتاج العملي الذي يترتب عليه: الحظ لا يُهزم لكنه يُروَّض، شريطة أن يعدَّ الإنسان عدته قبل أن تعلو المياه. يقول في الأمير:
"أعتقد أن الحظ يتحكم في نصف أعمالنا تقريبًا، بينما نتحكم نحن في النصف الآخر تقريبًا. وأقارن الحظ بنهر غامر يفيض فيغمر السهول، ويدمر الأشجار والمباني... ومع ذلك، هذا لا يمنع الناس، عندما يكون الطقس هادئًا، من اتخاذ الاحتياطات ببناء السدود والحواجز، بحيث عندما تعلو المياه مرة أخرى، إما يتم توجيهها عبر قناة أو أن قوتها لن تكون جامحة أو مدمرة."¹
تتمثَّل قيمة هذا الموقف في تجاوزه الثنائية الجامدة ومنحه الإنسانَ دوراً حقيقياً دون ادعاء السيطرة الكاملة. غير أن تركيزه على الفعل الفردي للقادة والحكام يُغفل القوى الاجتماعية والاقتصادية البنيوية التي كثيراً ما تتجاوز تدبير الأفراد مهما بلغت كفاءتهم.
موقف كارل ماركس Karl Marx (1818 - 1883) و فريديريك أنجلز Friedrich Engels (1820 - 1895)
ينطلق ماركس وإنجلز من منطلق مغاير: ما يحرك التاريخ ليس إرادة الأمراء ولا حظ القادة، بل البنى الاقتصادية وتناقضات وسائل الإنتاج. الصراع الطبقي هو المحرك الفعلي للأحداث، والأفراد — مهما بدا دورهم كبيراً — يؤدون وظائف تاريخية تُمليها عليهم الضرورة المادية. يقول إنجلز في وضع الطبقة العاملة في إنجلترا:
"إن تطور وسائل الإنتاج يخلق الشروط المادية لتحرر الطبقة العاملة... إن انهيار النظام البرجوازي وانتصار البروليتاريا لا مفر منهما. لكن هذا لا يعني أن التاريخ يسير بشكل آلي. فالناس يصنعون تاريخهم بأنفسهم، وإن كانوا يفعلون ذلك في ظروف ليست من اختيارهم."²
غير أن الحتمية عند ماركس ليست قدرية بالمعنى الجامد — ليست دعوة إلى الاستسلام والانتظار. يُوضِّح جون موليني في تأويله للماركسية أنها "نزوع موضوعي في تطور المجتمعات يترك هامشاً للفعل البشري الواعي"، وأن الوعي الثوري يستطيع تسريع هذا التطور. بل يتضمن هذا الموقف رؤية طويلة المدى للتحرر: في المراحل السابقة كان البشر خاضعين لحتمية البنى الاقتصادية، لكن مع الاشتراكية يبدأ الانتقال من "مملكة الضرورة إلى مملكة الحرية" حيث يصبح البشر أسياد مصيرهم الفعليين.³
تتجلَّى قيمة هذا الموقف في كشفه عن القوى البنيوية الخفية التي تتجاوز الإرادة الفردية وتفسِّر تحولات كبرى كالثورة الصناعية والانهيارات الاقتصادية. غير أن الحتمية التي ينطوي عليها هذا الموقف تُضيِّق هامش الصدفة والوعي الفردي كعاملَين مستقلَّين، وقد أثبت التاريخ الفعلي أن الانتصار "الحتمي" للبروليتاريا لم يتحقق بالصورة التي تنبأ بها النموذج.
الخلاصة التركيبية
يُوزِّع مكيافيلي صناعة التاريخ بين الإرادة الإنسانية والحظ، فيحفظ للفرد دوراً فاعلاً حقيقياً لكنه يُغفل القوى البنيوية الكبرى. يُؤكِّد ماركس وإنجلز سيادة الضرورة الاقتصادية والصراع الطبقي، فيكشفان عن محركات بنيوية عميقة لكنهما يُخاطران بتحويل الفعل الإنساني إلى مجرد أداء لدور مكتوب سلفاً.
يكشف هذا التعارض أن ثورة أكتوبر 1917 تقبل القراءتَين معاً: كانت الشروط البنيوية ناضجة كما يقول ماركس، وكانت إرادة أفراد بعينهم وتوقيت قراراتهم حاسمَين كما يقول مكيافيلي. يظل التساؤل مطروحاً: هل يمكن بناء نظرية في صناعة التاريخ تُنصف البنى الكبرى دون أن تُلغي الفعل الفردي، وتُنصف الإرادة الإنسانية دون أن تتجاهل قيودها؟
المراجع
¹ Machiavel, N. (1532). Le Prince. Éditions Gallimard.
² Engels, F. (1845). La situation de la classe laborieuse en Angleterre. Éditions Sociales.
³ Molyneux, J. (1989). Le Déterminisme historique chez les marxistes : L'Équilibre entre Nécessité et Liberté. Presses Universitaires de France.