الحقيقة بوصفها قيمة

التمهيد

في عام 1633، أُجبر غاليليو على التراجع أمام محكمة التفتيش عن اكتشافه أن الأرض تدور حول الشمس. يُروى أنه همس بعد الإذعان: "ومع ذلك تدور". سواء صحَّت الرواية أم لا، تحمل دلالة فلسفية عميقة: غاليليو كان يعرف أن ما قاله لا يُغيِّر الواقع — الأرض تدور بصرف النظر عمَّا أُكره على التصريح به. كان يتمسك بحقيقة لا قيمة عملية لها في تلك اللحظة، بل كانت تكلِّفه كل شيء.

لكن في المقابل، في اللحظة ذاتها تقريباً، كان التجار الهولنديون يستخدمون الجداول الفلكية المبنية على هذه "الحقيقة الممنوعة" للملاحة عبر المحيطات وتحقيق ثروات طائلة. الحقيقة الواحدة — ثابتة لذاتها عند غاليليو، نافعة وظيفية عند التجار.

يكشف هذا المشهد المزدوج عن التوتر الحقيقي في صميم السؤال: هل تستمد الحقيقة قيمتها من كونها غاية يسعى إليها العقل لذاتها، أم من كونها أداة فعَّالة تحلُّ مشكلات الحياة وتُحدث فرقاً في الواقع؟

موقف فريدريك هيجل Georg Wilhelm Friedrich Hegel (1770 - 1831)

يرى هيجل أن الحقيقة ليست معطىً جاهزاً يُكتشف مرة واحدة، بل هي مسار جدلي تاريخي يتطور فيه العقل من الجزئي إلى الكلي، من المحدود إلى المطلق. يوضِّح ذلك بمثال الوردة: البذرة والساق والزهرة والثمرة مراحل متعاقبة تبدو في ظاهرها متناقضة لكنها في الحقيقة تجلِّيات لحقيقة واحدة لا تكتمل إلا بتكاملها. وكذلك الحقائق الجزئية لا تكتسب معناها إلا في ضوء الحقيقة الكلية. يقول في فينومينولوجيا الروح:

"الحقيقة ليست قطعة نقدية جاهزة يمكن تداولها واستهلاكها فوراً. إنها عملية تطور الوعي نحو المطلق، حيث يدرك العقل ذاته في كل مرحلة من مراحل تطوره... الحقيقة المطلقة هي الروح التي تعرف نفسها كروح، وهي الهدف النهائي للتاريخ والفلسفة معاً."¹

تتمثَّل قيمة هذا الموقف في رفعه الحقيقةَ فوق الاستخدام الظرفي — فغاليليو كان يتصرف من منطق هيجلي: الحقيقة لا تتغير بتغير ما يُفيد أو يضرُّ في لحظة بعينها. غير أن ذوبان الحقائق اليومية في كلية مجردة قد يُغفل احتياجات الإنسان العملية الملحَّة ويجعل الفلسفة ترفاً بعيداً عن حياة البشر الفعلية.

موقف وليام جيمس William James (1842 - 1910)

يقلب جيمس المعادلة: لا توجد حقيقة "جاهزة" في انتظار الاكتشاف — الحقيقة تُصنع في سياق الخبرة. الفكرة تصبح حقيقية حين تثبت فائدتها العملية وحين تقودنا بنجاح عبر تجاربنا. المعيار ليس الاتساق المنطقي ولا الضرورة الميتافيزيقية، بل السؤال العملي: ما الفرق الذي ستصنعه هذه الفكرة في حياتنا؟ يقول في البراغماتية:

"الحقيقة ليست كائناً ثابتاً نكتشفه، بل هي شيء نصنعه في سياق خبرتنا. الفكرة تصبح حقيقة عندما تثبت فائدتها العملية، عندما تقودنا بنجاح عبر تجاربنا... الحقيقة تعيش في وظيفتها العملية، في قدرتها على ربط خبراتنا القديمة بجديدة بسلاسة."²

تتجلَّى قيمة هذا الموقف في إعادته الحقيقةَ إلى الحياة — فالتجار الهولنديون لم يكونوا يُفلسفون، كانوا يختبرون: الجداول الفلكية التي تعمل هي الحقيقية، وتلك التي تُضلِّل السفن هي الكاذبة. غير أن جعل الحقيقة رهينة النفعية الظرفية يُخاطر بجعلها متغيرة بتغير الأهداف والمصالح، مما قد يُذيب الفارق بين الحقيقة والوهم النافع.

الخلاصة التركيبية


يُعلي هيجل الحقيقة فوق كل نفع ظرفي فيمنحها ثباتاً وسموَّاً لكنه يُبعدها عن متطلبات الحياة اليومية. يُقرِّب جيمس الحقيقة من الواقع المعاش فيجعلها فاعلة ومرنة لكنه يُخاطر بجعلها أسيرة المصالح والأغراض.

يكشف مشهد غاليليو أن الحقيقة قد تُطلَب لذاتها حتى حين تكون مكلِّفة، وأن هذا الطلب هو ما يجعل العلم والفلسفة ممكنَين أصلاً. لكنه يكشف أيضاً أن الحقيقة حين تُترجَم إلى عمل تُصبح قوة تُغيِّر العالم. يظل التساؤل مطروحاً: هل يمكن تصوُّر حقيقة لا فائدة منها أصلاً — أم أن كل حقيقة حقيقية تحمل في ذاتها فائدة ستظهر وإن تأخَّر ظهورها؟

المراجع

¹ Hegel, G. W. F. (1807). Phénoménologie de l'esprit. Éditions Gallimard.

² James, W. (1907). Le Pragmatisme. Éditions Flammarion.