السعادة والواجب

التمهيد

في عام 1944، كان الطبيب الفرنسي مارسيل سامي يعمل في مستشفى باريس تحت الاحتلال النازي. جاءه أمر صريح: الإبلاغ عن المرضى اليهود. كان بإمكانه الامتثال — يحمي نفسه، يحافظ على عمله، يعيش في سلام نسبي. اختار بدلاً من ذلك إخفاءهم وتزوير سجلاتهم، مخاطراً بحياته كل يوم.

هنا تكمن المفارقة: الإنسان الذي اختار الراحة والامتثال كان يملك ظاهرياً كل مقومات السعادة — الأمان والعمل والاستقرار. أما سامي فقد اختار الواجب فخسر كل ذلك واستبدله بالخوف والإنهاك والخطر اليومي. كان يفعل عكس ما تقتضيه السعادة تماماً.

لكنه حين سُئل لاحقاً عن تلك الفترة قال: "كانت أصعب أيام حياتي وأكثرها اكتمالاً." من اختار السعادة لم يجدها — ومن تركها وجد ما هو أعمق منها. هل تتعارض السعادة مع الواجب — أم أن أداء الواجب قد يكون في حد ذاته مصدراً لسعادة أعمق مما يوفره السعي إليها مباشرة؟

موقف إيمانويل كانط Emmanuel Kant (1724 - 1804)

يرى كانط أن الواجب لا صلة له بالسعادة من قريب أو بعيد — الفعل الأخلاقي الحق هو الذي يُؤدَّى لأنه واجب لا لأنه يُسعد أو يُريح. السعادة مرتبطة بالرغبات المتغيرة والظروف الخارجية، أما الواجب فثابت ومستقل عن كل مشاعر وأهواء. يقول في أساس ميتافيزيقا الأخلاق:

"الواجب هو ضرورة أداء الفعل بدافع احترام القانون الأخلاقي... السعادة قد تكون رغبة طبيعية للإنسان، لكنها لا يمكن أن تكون أساساً للأخلاق. الفعل الأخلاقي الحق هو الذي نقوم به لأننا ندرك أنه واجب، وليس لأننا نرغب في تحقيق السعادة أو تجنب الألم. إن قدسية الواجب لا علاقة لها بملذات الحياة، بل تنبع من العقل العملي الذي يشرع لنفسه قوانينه الأخلاقية."¹

تكمن قيمة هذا الموقف في تفسيره لما فعله سامي — لم يُخفِ المرضى اليهود لأن ذلك أسعده بل لأن ضميره الأخلاقي لم يُجِز غيره. سعادته أو شقاؤه لم يكونا جزءاً من المعادلة. غير أن شهادته اللاحقة "أكثر اكتمالاً" تطرح سؤالاً يعجز كانط عن الإجابة عنه: ألا تكشف عن أن الواجب والسعادة لم يكونا منفصلَين بالكامل؟

موقف برتراند راسل Bertrand Russell (1872 - 1970)

يختلف راسل جذرياً — الواجب ليس نقيض السعادة بل قد يكون مصدرها الأعمق. الإنسان لا يجد السعادة في الفراغ والراحة بل في الانغماس في عمل هادف يتجاوز ذاته. المساهمة والإنتاج والخدمة تُوفِّر إشباعاً لا يستطيع الترفيه وحده أن يوفره. يقول في فتح السعادة:

"السعادة لا تأتي من التحرر من الواجبات، بل من الانغماس في أنشطة هادفة... الواجب ليس نقيضاً للمتعة، بل يمكن أن يكون مصدراً لأعمق أشكال الرضا. عندما نجد العمل المناسب لطاقاتنا ومواهبنا، وعندما نشارك في مشاريع أكبر من ذواتنا، نختبر نوعاً من الإشباع لا يمكن للترفيه وحده أن يوفره."²

تتجلَّى قيمة هذا الموقف في تفسيره لكلمة سامي "أكثر اكتمالاً" — لم يكن يصف سعادة مريحة بل سعادة أعمق تولد من الشعور بأنه يفعل ما يجب فعله. الواجب لم يسرق سعادته بل منحه نوعاً من السعادة لم يكن يعرفه. غير أن الأطروحة تواجه خطراً: إذا أصبح الواجب مشروطاً بما يُولِّده من سعادة فقد نقاءه الأخلاقي الذي أكد عليه كانط.

الخلاصة التركيبية:

يفصل كانط الواجب عن السعادة فصلاً تاماً فيمنح الأخلاق نقاءها واستقلالها، لكنه يتجاهل ما تكشفه تجربة سامي من أن أداء الواجب قد يُولِّد اكتمالاً لا تصله السعادة المباشرة. يجمع راسل بين الواجب والسعادة فيُقدِّم رؤية أكثر إنسانية، لكنه يُخاطر بجعل الواجب رهيناً بما يُحقِّقه من رضا.

يكشف سامي أن كليهما يصفان جانباً حقيقياً: الواجب يجب أن يُؤدَّى بصرف النظر عن السعادة كما يقول كانط — لكنه حين يُؤدَّى قد يُولِّد من الاكتمال ما لا تستطيع مطاردة السعادة تحقيقه أبداً كما يُلمِّح راسل. يظل التساؤل مطروحاً: هل الاكتمال الذي شعر به سامي سعادة حقيقية — أم أنه شيء آخر تماماً يفتقر إليه مفهوم السعادة لوصفه؟

المراجع

¹ Kant, E. (1785). Fondation de la métaphysique des mœurs. Éditions Gallimard.

² Russell, B. (1930). La Conquête du bonheur. Éditions Payot.