مشروعية الدولة وغاياتها

في غشت 1914، أعلنت الدول الأوروبية الكبرى الحرب على بعضها في غضون أيام. ما يُدهش المؤرخين ليس اندلاع الحرب بل الحماس الشعبي الذي استقبلها — شباب ألمانيا وفرنسا وبريطانيا تدافعوا طوابير للتطوع، وسط احتفالات وأغانٍ وزهور. في غضون أشهر، كانوا يموتون في الخنادق بالملايين من أجل دول لم تحمهم بل أرسلتهم إلى المجزرة.

يطرح هذا المشهد سؤالاً لا يهدأ: ما الذي جعل ملايين البشر يُقدِّمون أرواحهم طوعاً لكيان سياسي؟ هل كانوا يحمون عقداً اجتماعياً ضمن لهم الأمن، فكان طبيعياً أن يدفعوا ثمنه؟ أم كانوا يخدمون روح الأمة الكبرى التي تتجاوز حياتهم الفردية في القيمة؟ لماذا وجدت الدولة أصلاً، وما الغاية من مؤسستها — هل هي وسيلة لخدمة الأفراد أم غاية تسمو عليهم؟

موقف توماس هوبز Thomas Hobbes (1588 - 1679)

ينطلق هوبز من تشخيص قاتم للطبيعة البشرية: الإنسان في غياب السلطة ذئب لأخيه. في "حالة الطبيعة" ينعدم الأمن وتسود حرب الكل ضد الكل، وحياة الإنسان فيها "وحيدة فقيرة كريهة وحشية قصيرة". لكن العقل البشري يقترح الحل: عقد اجتماعي يتنازل بموجبه الأفراد عن حريتهم الطبيعية المطلقة لصالح سلطة تضمن الأمن وتحول دون العودة إلى الفوضى. يقول في اللفياثان:

"في حالة الطبيعة، حيث لا توجد سلطة مشتركة، يعيش الناس في حالة حرب مستمرة، الكل ضد الكل... من هذا الصراع الدائم ينشأ العقل الذي يقترح شروط السلام، ويؤسس عبر عقد اجتماعي لسلطة مطلقة تضمن الأمن وتحول دون العودة إلى الفوضى."¹

تتمثَّل قيمة هذا الموقف في تأسيسه شرعية الدولة على الرضا — الأفراد هم من أسَّسوها لحاجتهم إليها، وهي مدينة لهم بوظيفتها لا العكس. لكن الشباب الذين ماتوا في خنادق 1914 يطرحون سؤالاً صعباً على هوبز: متى تكون الدولة قد خانت عقدها حين ترسل من أسَّسوها للموت من أجل بقائها؟

موقف فريدريك هيجل Georg Wilhelm Friedrich Hegel (1770 - 1831)

يرفض هيجل اختزال الدولة في أداة أمنية. فالدولة عنده ليست نتاج تعاقد مصلحي بل تجلٍّ تاريخي للعقل الموضوعي والإرادة العامة — هي التركيب الجدلي الذي يتجاوز تناقض الأسرة والمجتمع المدني ويرتقي بالفرد فوق أنانيته الضيقة إلى الكائن الأخلاقي الأسمى. الفرد لا يجد حريته الحقيقية في معارضة الدولة بل في الانسجام معها. يقول في مبادئ فلسفة الحق:

"الدولة هي التجسيد المادي للفكرة الأخلاقية، وهي الإرادة العقلانية المطلقة... الفرد يجد حريته في الانسجام مع الإرادة العامة للدولة، لا في معارضتها... بدون الدولة، يبقى الإنسان مجرد كائن أناني منغلق على ذاته، أما في الدولة فيصبح جزءاً من كل أخلاقي عاقل."²

تتجلَّى قيمة هذا الموقف في تفسيره لما لا يستطيع هوبز تفسيره: لماذا يضحي الإنسان بحياته طوعاً لا خوفاً — لأنه يرى في الأمة معنىً يتجاوز بقاءه الفردي. غير أن هذا السمو الفلسفي يحمل خطراً حقيقياً أثبته التاريخ: حين تُقدَّس الدولة كغاية مطلقة تتحول كل جريمة ترتكبها إلى "ضرورة تاريخية"، وكل احتجاج فردي إلى خيانة للروح الجماعية.

الخلاصة التركيبية:


يُؤسِّس هوبز شرعية الدولة على الرضا والعقد فيجعلها أداة في خدمة من أوجدوها، لكنه يُخاطر بمنح السلطة المطلقة لحاكم لا رقابة عليه. يرفع هيجل الدولة إلى مرتبة الغاية الأخلاقية فيمنح الانتماء معنىً متسامياً، لكنه يُخاطر بتبرير ابتلاع الفرد في الكل.

يكشف مثال 1914 أن كلا التصوُّرَين حاضران في آنٍ واحد: الشباب الذين تطوَّعوا كانوا يؤمنون بهيجل — بروح الأمة الكبرى — لكن حين أدركوا هول المجزرة طالب الناجون منهم بهوبز: ماذا أعطت إياي الدولة في مقابل ما أخذته مني؟ يظل التساؤل مطروحاً: هل يمكن تصوُّر دولة تجمع بين شرعية العقد الهوبزي ومعنى الانتماء الهيجلي دون أن تنزلق إلى الاستبداد باسم أحدهما؟

المراجع

¹ Hobbes, T. (1651). Léviathan. Éditions Gallimard.

² Hegel, G. W. F. (1821). Principes de la philosophie du droit. Éditions Gallimard.