القولة الأولى

القولة

"لا يوجد شخص حر، ولا يمكن أن يوجد أبداً."

انطلاقاً من اشتغالك على القولة، بيّن(ي) ما إذا كانت حرية الشخص مستحيلة.

مقترح التصحيح

أولاً — الفهم (04 نقط)

تحديد موضوع القولة (01 ن)

تتناول القولة موضوع الشخص بين الحرية والحتمية — هل يملك الإنسان حرية حقيقية في تقرير مساره ومصيره، أم أنه محكوم بحتميات تسبقه وتتجاوزه فتجعل الحرية استحالة لا وهماً فحسب؟

صياغة المفارقة وإبراز الإشكال (02 ن)

تكمن المفارقة في أن الإنسان يشعر يومياً بأنه يختار ويقرر ويتحمل مسؤولية أفعاله — ومع ذلك تُجزم القولة بأن لا شخص حر موجود ولا يمكن أن يوجد أبداً. شعور راسخ بالحرية وواقع من الحتمية المطلقة — في آنٍ واحد وبلا توفيق ممكن. ومن هنا يبرز الإشكال: الشخص بين الحرية والحتمية — هل حرية الشخص في تقرير مساره ومصيره حقيقة وجودية أم وهم تصنعه الجهل بالحتميات التي تتحكم فيه؟

صياغة الأسئلة الموجهة (01 ن)

ما الشخص؟ وما الحرية؟ وما الحتمية؟ وهل يستطيع الشخص أن يتجاوز الحتميات الفيزيائية والبيولوجية والنفسية والاجتماعية التي تُحيط به، أم أن هذه الحتميات تجعل الحرية استحالة كونية لا وهماً فردياً فحسب؟

ثانياً — التحليل (05 نقط)

تحديد أطروحة القولة وشرحها (02 ن)

تقوم الأطروحة على نفي مزدوج صارم — لا حرية موجودة الآن ولا إمكانية لوجودها مستقبلاً. فالشخص محكوم بحتميات متعددة لم يخترها — فيزيائية ترتبط بقوانين الطبيعة، وبيولوجية ترتبط بالوراثة والجينات، ونفسية ترتبط بشروط الطفولة والتنشئة، واجتماعية ترتبط بالطبقة والثقافة والدين المفروضة منذ لحظة الولادة. وحيث لا يمكن تصور انعدام هذه الحتميات فإن الحرية الحقيقية — بمعنى الاستقلال التام في تقرير المصير — استحالة لا مجرد صعوبة.

تحديد مفاهيم القولة وبيان العلاقات بينها (02 ن)

تتضمن القولة ثلاثة مفاهيم جوهرية — الشخص بوصفه الكائن الإنساني صاحب العقل وإدراك الذات والقيمة الأخلاقية، والحرية بمعناها الوجودي أي القدرة على تحديد المسار والمصير باستقلال عن أية مؤثرات، والحتمية بوصفها الشروط والمحددات التي تفرض على الشخص مساره دون أن يختارها. وتجمع هذه المفاهيم علاقة تناقض جوهري — فحيثما وُجد شخص وُجدت حتميات، وحيثما وُجدت حتميات انتفت الحرية. والنفي المزدوج في القولة — لا في الحاضر ولا في المستقبل — يُحكم هذا التناقض ويسد كل منفذ للتحرر.

تحليل الحجاج المعتمد (01 ن)

تعتمد القولة بنية حجاجية قائمة على الإنكار المزدوج المتصاعد — تنفي أولاً الوجود الحالي للشخص الحر ثم تنفي إمكانية وجوده المستقبلي، مما يجعل نفي الحرية شاملاً للزمن كله لا لحظة محددة. وهذا الأسلوب التقريري المباشر الخالي من أي تعبير مجازي يُضفي على الأطروحة طابع اليقين العلمي لا الرأي الفلسفي.

ثالثاً — المناقشة (05 نقط)

إبراز قيمة الأطروحة وحدودها (03 ن)

تكمن قيمة هذه الأطروحة في تنبيهها الصارم إلى وهم الحرية في مجتمعات تتضاعف فيها الحتميات المرئية والخفية — وهي في ذلك تتقاطع مع فوكو الذي رأى أن الإنسان كما عرفناه تاريخياً آيل إلى الاختفاء حين تكشف العلوم الإنسانية عن الحتميات التي تُشكّله من الداخل. فضلاً عن ذلك فإنها تدعو إلى البحث العلمي الجاد في العلل الحقيقية للسلوك البشري بدلاً من الاكتفاء بتفسيرات الإرادة الحرة.

غير أن هذه الأطروحة تواجه اعتراضاً وجودياً جوهرياً — فإذا كانت الحرية استحالة مطلقة سقطت معها المسؤولية الأخلاقية والقانونية وغدا كل حكم على الأفعال البشرية ظلماً. فضلاً عن ذلك فإن التاريخ البشري يشهد لحظات تمرد حقيقية كسر فيها أفراد ومجتمعات الحتميات المفروضة عليهم — مما يُشير إلى هامش من الحرية لا تستطيع الحتمية المطلقة استيعابه.

فتح إمكانات أخرى للتفكير (02 ن)

في مقابل هذا الموقف الحتمي يرى سارتر أن الإنسان محكوم عليه بالحرية — فهو لا يملك جوهراً مُسبقاً يُحدد مساره بل يصنع نفسه بنفسه في كل لحظة اختيار. وحتى الخضوع للحتمية هو اختيار — والهروب من المسؤولية هو بالضبط ما سماه سارتر سوء النية. فالشخص لا يُولد حراً لكنه لا يُولد مقيداً كلياً — بل يُولد في موقف يستلزم منه دوماً أن يختار.

رابعاً — التركيب (03 نقط)

أعلنت القولة بيقين صارم أن لا شخص حر موجود ولا يمكن أن يوجد — مستندةً إلى واقع الحتميات الفيزيائية والبيولوجية والنفسية والاجتماعية التي تُحيط بالإنسان من كل جانب وتُشكّله قبل أن يشكّل نفسه. وتبقى قيمة هذا الموقف في كشفه وهم الحرية المطلقة ودعوته إلى الوعي بالمحددات الحقيقية للسلوك. غير أن استحالة الحرية المطلقة لا تعني انتفاء الحرية كلياً — فالأجدر فلسفياً هو القول بأن الشخص كائن مشروط لا محدد — يخضع لحتميات لكنه يمتلك وعياً يُتيح له معرفتها وتجاوزها. والأشخاص الذين يتذرعون بالحتميات ليبرروا استسلامهم إنما يهربون من حريتهم لا من قيودهم.

الجوانب الشكلية (03 نقط)

تماسك العرض، سلامة اللغة، وضوح الخط، علامات الترقيم.

القولة لسبينوزا، باروخ. (1677). الأخلاق. ترجمة عربية. دار الفكر العربي.