يسأل الإنسان منذ فجر الاجتماع البشري سؤالاً لا يهدأ: ما الذي يستحقه كل واحد؟ ومن يملك صلاحية إعطائه أو منعه؟ من هذا السؤال ولد مفهوما الحق والعدالة — توأمان لا ينفصلان ولا يتطابقان.
يتخذ الحق وجوهاً متعددة¹ — تارةً هو القانون الذي يُنظم، وتارةً هو المباح الذي يُجيز، وتارةً هو الأمر المتأصل في صاحبه الذي لا يُسلب كحق الحياة والكرامة، وتارةً هو المصلحة التي يحميها القانون. وفي السياق الأخلاقي يتجاوز كل هذا ليصبح الصواب ذاته — ما ينبغي أن يكون. يقول علي بن أبي طالب: "حين سكت أهل الحق عن الباطل توهم أهل الباطل أنهم على حق"².
أما العدالة فهي السلطة القضائية³ حين تفصل في النزاعات، والمساواة أمام القانون حين تُوزَّع الحقوق، والإنصاف حين تُقسَّم الخيرات بين أفراد المجتمع. وفي سياقها الأخلاقي تصبح قيمة تسمو على القانون — يقول علاء الأسواني: "من تعوّد على الظلم لا يستطيع أن يفهم العدل"⁴.
وتنبثق من هذا التعدد ثلاثة أسئلة تمس شرعية كل نظام قانوني وأخلاقي: من أين يستمد الحق والقانون مصدرهما — من الطبيعة أم من الاتفاق البشري؟ وهل يكون القانون الوضعي دائماً عادلاً — أم يتعارض أحياناً مع العدالة الأخلاقية؟ وهل تتحقق العدالة بمعاملة الجميع بالتساوي — أم بمعاملة كل واحد وفق ما يستحق؟
المراجع
¹ Thomas d'Aquin. (1984-1986). Somme théologique. Éditions du Cerf.
² الإمام علي بن أبي طالب. نهج البلاغة. دار الكتاب العربي.
³ Aristote. (1997). Éthique à Nicomaque. Librairie Philosophique J. Vrin.
⁴ الأسواني، علاء. (2011). الإسلام السياسي والديمقراطية. دار شرقيّات.