السؤال الثالث

السؤال

هل تؤدي التغيرات التي تلحق الشخص إلى ضياع هويته؟

مقترح التصحيح

أولاً — الفهم (04 نقط)

تحديد مجال السؤال وموضوعه (01 ن)

يندرج السؤال ضمن مجزوءة الوضع البشري وتحديداً في إشكالية الشخص والهوية — هل تظل هوية الشخص ثابتة رغم التغيرات المتواصلة التي تطرأ عليه جسدياً ونفسياً عبر الزمن، أم أن هذه التغيرات تُفضي حتماً إلى تلاشي هويته وضياع تطابقه مع ذاته؟

إبراز عناصر المفارقة أو التقابل (02 ن)

يحمل السؤال توتراً جوهرياً — فالشخص يتغير جسداً ونفساً من المهد إلى اللحد حتى لا تبقى خليةٌ واحدة من خلاياه الأولى، ومع ذلك يشعر في قرارة نفسه أنه لا يزال هو ذاته ويحمل الهوية نفسها. يتغير كلياً ويبقى هو هو — في آنٍ واحد. وهذا بالضبط ما تُجسّده مفارقة سفينة ثيسيوس — حين تُستبدل كل ألواحها الواحد تلو الآخر فهل تبقى السفينة ذاتها؟

صياغة الأسئلة الموجهة (01 ن)

ما الشخص؟ وما الهوية؟ وما علاقة الثبات بالهوية؟ وهل يستطيع الجسد المتجدد خلاياه باستمرار والعقل المتراكمة تجاربه أن يُشكّلا أساساً للهوية الشخصية، أم أن التغير الكوني الشامل يجعل الهوية مجرد ابتكار ذهني لا يُقابله ثبات فعلي في الواقع؟

ثانياً — التحليل (05 نقط)

تحليل عناصر الإشكال وأسئلته الأساسية (02 ن)

يفترض السؤال موقفين متقابلين — الأول يُقرّ بأن التغيرات تُفضي إلى ضياع الهوية انطلاقاً من أن الهوية مبدأ الثبات والتطابق مع الذات، وحيث إن التغير الجسدي والنفسي حقيقة علمية لا مجادلة فيها فإن الشخص المتغير لا يُطابق ذاته في الزمن. والثاني يرى أن الهوية تستمر رغم التغير لأنها تُستمد من شيء يقاوم التغير كالوعي أو الذاكرة أو الاستمرارية السردية.

توظيف المعرفة الفلسفية الملائمة (02 ن)

تُعرَّف الهوية منطقياً بمبدأ الهو هو — أي تطابق الشيء مع ذاته وعدم تناقضه. وقد أسّس لوك لنظرية الهوية الشخصية على الذاكرة — فالشخص يظل ذاته طالما يربط تجاربه الحاضرة بتجاربه الماضية عبر الذاكرة. في المقابل يرى هيوم أن الأنا ليست سوى حزمة من الانطباعات المتتالية لا جوهر ثابت يربطها — مما يجعل الهوية الشخصية وهماً مُنتَجاً من اعتياد الذهن على الترابط لا من ثبات فعلي.

البناء الحجاجي الفلسفي (01 ن)

يكشف التحليل أن الهوية الشخصية ليست ثباتاً جوهرياً مثل ثبات الجمادات بل استمرارية ديناميكية — فالشخص لا يُطابق ذاته في الزمن كمطابقة المثلث لزواياه بل يُعيد إنتاج ذاته باستمرار عبر الوعي والذاكرة والسرد. والهوية الشخصية استمرارية في التغير لا ثبات رغمه.

ثالثاً — المناقشة (05 نقط)

مناقشة الأطروحات المفترضة بالسؤال (03 ن)

يُقدّم المدافعون عن ضياع الهوية بالتغير حججاً علمية متينة — فالجسد يتجدد كلياً كل سبع إلى عشر سنوات وخلايا الجلد تتبدل كل أسبوعين والأمعاء كل أربعة أيام. وما يصدق على الجسد يصدق على النفس — فالمعتقدات والمواقف السياسية والنظرة للحياة تتبدل جذرياً مع تراكم التجارب. ومن هذا المنطلق يُصعب الإقرار بأن شخص الثلاثين هو ذاته شخص العشرين بالمعنى الجوهري.

غير أن هذا الموقف يواجه اعتراضاً وجودياً — فالشعور بالاستمرارية الذاتية حقيقة ظاهراتية لا يمكن إلغاؤها. وكما يرى ريكور فإن الهوية الشخصية ليست هوية جوهر ثابت بل هوية سردية — فالشخص يُؤلّف من تجاربه المتغيرة قصة واحدة متماسكة تمنحه هويته لا رغم التغير بل من خلاله.

فتح إمكانات أخرى للتفكير (02 ن)

يفتح هذا الإشكال أفقاً تفكيكياً جذرياً — إذ يرى هيراقليطس أن كل شيء في تدفق دائم ولا يمكن النزول في النهر ذاته مرتين. وعلى هذا الأساس يقترح ألان واطس أن مفاهيمنا اللغوية الثابتة كـ"قط" و"سيارة" تُخفي حركية الواقع المستمرة — مما يعني أن الهوية ليست واقعاً موضوعياً بل ابتكار ذهني يصنعه العقل البشري حاجةً إلى الأمن السيكولوجي في مواجهة تغير لا يتوقف.

رابعاً — التركيب (03 نقط)

أثبت التحليل والمناقشة أن التغيرات التي تلحق الشخص لا تُفضي بالضرورة إلى ضياع هويته — لكن الهوية التي تصمد أمام التغير ليست هوية الجوهر الثابت بل هوية الاستمرارية السردية التي يبنيها الشخص من خلال وعيه وذاكرته وإعادة تأويله لتجاربه. وأرى أن الهوية الشخصية مشروع متجدد لا معطى جامد — فالشخص لا يحافظ على هويته بالثبات بل بالقدرة على نسج تغيراته في قصة واحدة متماسكة تجعله يعرف من أين أتى وإلى أين يسير.

الجوانب الشكلية (03 نقط)

تماسك العرض، سلامة اللغة، وضوح الخط، علامات الترقيم.