مشكلة موضعة الظاهرة الإنسانية

التمهيد

في عام 1942، وسط احتلال نازي يُحكم قبضته على فرنسا، كلَّف الجستابو عالماً فرنسياً شاباً بدراسة "الشخصية الفرنسية" لإيجاد مسوِّغات علمية للتمييز العرقي وسياسات الاحتلال. وجد الباحث نفسه أمام خيار حارق: إما أن يُنتج "علماً" مفصَّلاً على مقاس الأيديولوجيا النازية، وإما أن يرفض ويخاطر بحياته. كان يعرف أن كل سؤال يطرحه وكل بيانات يجمعها ستُوظَّف لخدمة غاية سياسية محددة سلفاً.

يكشف هذا المشهد عن مفارقة حادة تطال العلوم الإنسانية في صميمها: حين يدرس الإنسانُ الإنسانَ، لا يستطيع أن يتجاهل السياق الذي يعمل فيه، ولا الغاية التي قد تُوظَّف فيها نتائجه، ولا انتماءاته التي تُلوِّن أسئلته قبل أن يبدأ البحث. فهل يمكن تحقيق الموضوعية في دراسة الإنسان على غرار الموضوعية المتحققة في العلوم الطبيعية، أم أن طبيعة الظاهرة الإنسانية تفرض منهجاً مغايراً ينأى عن الموضوعية المطلقة؟

موقف إميل دوركايم Émile Durkheim (1858 - 1917)

يرى دوركايم أن الظواهر الاجتماعية — كالانتحار والجريمة والشعائر الدينية وتقسيم العمل — هي حقائق موضوعية ذات وجود خارجي مستقل عن الأفراد، تفرض نفسها عليهم بقوة إلزامية. ومن ثم يجب دراستها كما تُدرس الظواهر الطبيعية: بالتحرر من الأفكار المسبقة والاعتماد على الملاحظة الخارجية والإحصاء والمقارنة، لا على التأمل والاستبطان. يقول في الانتحار: دراسة في علم الاجتماع:

"يجب دراسة الظواهر الاجتماعية كأشياء. فالحقائق الاجتماعية تتميز بوجود خارجي عن الأفراد، وتتمتع بقوة إلزامية تفرض نفسها عليهم. لا يمكن تفسير ظاهرة اجتماعية إلا بظاهرة اجتماعية أخرى... الظاهرة الاجتماعية هي شيء خارجي عنا، ويجب أن ندرسها بموضوعية كما ندرس الظواهر الطبيعية."¹

تتمثَّل قيمة هذا الموقف في تأسيسه منهجية صارمة أخرجت علم الاجتماع من دائرة التأملات الفلسفية إلى رحاب المعرفة الإمبريقية القابلة للاختبار والمقارنة. غير أن الباحث النازي في مثالنا كان يستطيع نظرياً أن يجمع إحصاءات "موضوعية" ويستند إليها — مما يكشف أن الموضوعية المنهجية وحدها لا تكفي حين تغيب الحياد عن الأسئلة المطروحة ابتداءً.

موقف جان بياجي Jean Piaget (1896 - 1980)

يُلِحُّ بياجيه على تحدٍّ منهجي لا مفر منه: الباحث ليس خارج الظاهرة التي يدرسها بل داخلها. حين يدرس الإنسانُ ظاهرة إنسانية فهو نفسه محكوم بتاريخه وانتماءاته وموقعه، وعملية الملاحظة ذاتها قد تُحدث تغييرات في الظاهرة المدروسة. هذا التداخل لا يعني رفض الموضوعية بل يعني إعادة تعريفها — فالمعرفة الإنسانية دائماً معرفة مرتبطة بموقع الباحث وخياراته النظرية. يقول في إبستيمولوجيا العلوم الإنسانية:

"في العلوم الإنسانية، يجد الباحث نفسه في موقف فريد: إنه يدرس الإنسان وهو نفسه إنسان. هذه الهوية الجوهرية بين الذات العارفة والموضوع المعروف تخلق مشكلة منهجية عميقة... هذا الوضع يحتم على العلوم الإنسانية تطوير منهجيات خاصة تأخذ في الاعتبار هذه الديناميكية التفاعلية بين الذات والموضوع."²

تتجلَّى قيمة هذا الموقف في كشفه لمحدودية نموذج العلوم الطبيعية حين يُطبَّق على الإنسان، ودعوته إلى أدوات منهجية أكثر أمانة مع طبيعة موضوعها. والباحث النازي في مثالنا كان نموذجاً صارخاً على ما يصفه بياجيه: ذات باحثة محكومة بأيديولوجيا تُشكِّل أسئلتها وتُحدِّد نتائجها قبل أن تبدأ. غير أن المبالغة في التأكيد على هذا التداخل قد تنزلق إلى نسبية تجعل كل معرفة رهينة موقف باحثها وتُضعف أي مسعى نحو الموضوعية.

الخلاصة التركيبية

يؤسِّس دوركايم للعلوم الإنسانية على نموذج العلوم الطبيعية فيمنحها صرامة منهجية، لكنه يُخاطر بتجريد الإنسان من بُعده الذاتي وإغفال السياق الذي تُطرح فيه الأسئلة. يُنبِّه بياجيه إلى استحالة الفصل الكامل بين الذات الباحثة والموضوع المدروس، فيُعيد الاعتبار لخصوصية المعرفة الإنسانية لكنه يفتح باباً أمام نسبية منهجية.

يكشف مثال الاحتلال النازي أن الخطر الحقيقي لا يكمن في غياب الأدوات الإحصائية، بل في توجيه الأسئلة وانتقاء البيانات خدمةً لغايات سابقة على البحث. الموضوعية في العلوم الإنسانية ليست ثنائية جامدة بين الممكن والمستحيل، بل هي مسعى دائم نحو الحد من الذاتية دون ادعاء الإفلات منها كلياً. يظل التساؤل مطروحاً: هل يمكن بناء معرفة إنسانية تعترف بحضور الذات الباحثة وتجعل من هذا الاعتراف أداةً للرقابة المنهجية لا مصدراً للتساهل؟

المراجع

¹ Durkheim, É. (1897). Le suicide : étude de sociologie. Presses Universitaires de France.

² Piaget, J. (1970). Épistémologie des sciences de l'homme. Éditions Gallimard.