النص الأول

النص

يثور تساؤل فلسفي عميق حول مصادر معرفتنا: هل تعتمد جميع الحقائق على التجربة الحسية والاستقراء، أم أن بعضها يستند إلى أساس آخر مستقل عنها؟ يبدو أن عقلنا يُسهم بشيء من عنده، ما دمنا نستطيع أحياناً التنبؤ بأحداث دون اختبار سابق لها.

صحيح أن الحواس ضرورية لمعرفتنا الراهنة، غير أنها تظل قاصرة عن منحنا جميع المعارف — إذ لا تقدم لنا سوى أمثلة جزئية وحقائق فردية. والحال أن تراكم الأمثلة، مهما بلغ عددها، لا يكفي وحده لإثبات الضرورة الكونية لحقيقة ما. فلا شيء يضمن أن ما جرى في الماضي سيجري دائماً وبالطريقة ذاتها.

ولنتأمل مثالاً دالاً: لاحظ اليونانيون والرومان وسائر شعوب العالم القديم أن النهار يعقبه الليل والليل يعقبه النهار في دورة منتظمة لا تتجاوز أربعاً وعشرين ساعة. فاعتقدوا أن هذه القاعدة كونية مطلقة. لكن تبيّن لاحقاً أن القطب الشمالي يُكذّب هذه القاعدة — إذ قد يمتد النهار أو الليل أسابيع متواصلة. فما بدا حقيقة كونية لم يكن سوى تعميم متسرع لتجارب محدودة.

ينكشف من هذا أن الحقائق الضرورية لا يمكن أن تقوم على شهادة الحواس والأمثلة وحدها، بل لا بد لها من مبادئ عقلية تسبق التجربة وتتجاوزها. وهذا لا ينفي دور الحواس — فلولاها ما استطاع العقل أن يُفكر في تلك الحقائق أصلاً — لكنه يؤكد أنها شرط ضروري غير كافٍ، وأن العقل وحده هو ما يمنح المعرفة ضرورتها وكونيتها.¹

حلل النص وناقشه

مقترح التصحيح

أولاً — الفهم (04 نقط)

تحديد موضوع النص (01 ن)

يتناول النص موضوع المعرفة من حيث مصادرها — هل تنبثق من التجربة الحسية وحدها أم أن العقل يُسهم فيها بمبادئ مستقلة عنها؟

صياغة المفارقة وإبراز الإشكال (02 ن)

تكمن المفارقة في أن الإنسان يعتمد على حواسه لاكتساب المعرفة، لكن الحواس ذاتها تعجز عن منحه معرفة ضرورية وكونية — إذ لا تقدم له سوى أمثلة جزئية قابلة للخطأ. ومن هنا يبرز الإشكال: المعرفة بين التجربة الحسية والعقل — هل تكفي التجربة وحدها لبناء معرفة ضرورية؟

صياغة الأسئلة الموجهة (01 ن)

ما التجربة الحسية؟ وما العقل؟ وما الحقيقة الضرورية؟ وهل تستطيع الحواس وحدها أن تمنحنا معرفة ضرورية وكونية، أم أن العقل وحده كفيل بذلك؟

ثانياً — التحليل (05 نقط)

تحديد أطروحة النص وشرحها (02 ن)

يدافع النص عن أطروحة عقلانية مفادها أن الحواس ضرورية لكنها غير كافية لبناء معرفة ضرورية وكونية — إذ تقتصر على تقديم أمثلة جزئية، في حين تستلزم الحقائق الضرورية مبادئ عقلية تسبق التجربة وتتجاوزها.

تحديد أفكار النص ومفاهيمه والعلاقات بينها (02 ن)

يتضمن النص ثلاث أفكار متسلسلة: تُميّز الأولى بين نوعين من الحقائق — حقائق تجريبية تستند إلى الاستقراء، وحقائق ضرورية تستلزم أساساً عقلياً. وتكشف الثانية عن قصور التجربة الحسية — فمهما تراكمت الأمثلة لا تبلغ الضرورة الكونية. وتُجلّي الثالثة عبر مثال القطب الشمالي أن التعميم المبني على الاستقراء وحده معرض للخطأ. وتجمع هذه الأفكار علاقة تكامل جدلي: التجربة شرط ضروري للتفكير، والعقل شرط ضروري لضمان الكونية.

تحليل الحجاج المعتمد (01 ن)

يعتمد النص حججاً منطقية قائمة على التمييز المفاهيمي بين الجزئي والكلي، والضروري والمحتمل — مدعومةً بمثال تاريخي ملموس يُفنّد وهم الاكتفاء بالاستقراء.

ثالثاً — المناقشة (05 نقط)

إبراز قيمة الأطروحة وحدودها (03 ن)

تكمن قيمة أطروحة النص في كشفها عن وهم الاكتفاء بالتجربة لبناء معرفة ضرورية — وهو ما يُفسر فشل كثير من التعميمات العلمية التي بُنيت على استقراء ناقص. كما تُبرز دور العقل في منح المعرفة كونيتها وضرورتها.

غير أن هذه الأطروحة تواجه اعتراضاً تجريبياً جوهرياً — فالتجريبيون كلوك وهيوم يرون أن العقل لا يملك مبادئ فطرية مستقلة عن التجربة، وأن ما يبدو ضرورياً كونياً ليس سوى عادة ذهنية راسخة نشأت عن تكرار التجربة.

فتح إمكانات أخرى للتفكير (02 ن)

يفتح هذا الإشكال أفقاً توليفياً أعمق — إذ ذهب كانط إلى أن المعرفة تنشأ من تضافر الحواس والعقل معاً: الحواس تمد العقل بالمادة الخام، والعقل يُنظمها بمقولاته القبلية. وهذا يعني أن التعارض بين العقل والتجربة ليس مطلقاً.

رابعاً — التركيب (03 نقط)

يُؤكد النص أن التجربة الحسية ضرورية لكنها غير كافية لبناء معرفة ضرورية وكونية — إذ تقتصر على تقديم أمثلة جزئية لا ترقى إلى الضرورة المطلقة. والرأي الشخصي الذي يبدو أكثر إقناعاً هو الموقف الكانطي التوليفي — فلا العقل المجرد من أي تجربة يُنتج معرفة فعلية، ولا التجربة العارية من أي مبدأ عقلي تُفضي إلى معرفة ضرورية. المعرفة الحقيقية رحلة مزدوجة يبدأها الحس وتُكملها الفكر.

الجوانب الشكلية (03 نقط)

تماسك العرض، سلامة اللغة، وضوح الخط، علامات الترقيم.

¹ لايبنتز، غوتفريد فيلهلم. (1714). مبادئ الطبيعة والنعمة. ترجمة عربية. دار الفكر.