وجود الغير

التمهيد

في رواية البؤساء لفيكتور هوغو، يخرج جان فالجان من السجن بعد تسعة عشر عاماً حاملاً شعوراً واحداً تجاه العالم: الحقد. لكن حين يفتح له الأسقف ميريال بابه ليلاً ويمنحه مكاناً للنوم وطعاماً وفضةً ثمينة — بعد أن يكون قد سرقها منه — يقع ما لم يتوقعه فالجان: يُغيِّره وجهٌ واحد نظر إليه بلا إدانة. لم تكن محاضرة أخلاقية ولا عقاباً ولا شفقة مهينة. كان مجرد وجه إنسان رأى فيه إنساناً. ذلك اللقاء وحده كان كافياً لإعادة بناء ذات كاملة.

غير أن الرواية ذاتها تحمل وجهاً مغايراً للغير: المفتش جافير الذي يُمضي حياته كلها مسكوناً بصورة واحدة عن فالجان لا تتغير — المجرم الهارب. لم يرَ جافير وجهاً، بل رأى ملفاً. وفي هذا الفارق تكمن الإشكالية بأسرها: هل الغير مرآة تُعيد إلى الأنا إنسانيتها، أم سجن يختزلها في صورة لم تخترها؟

يعيش الإنسان منذ ولادته في شبكة من العلاقات مع ذوات أخرى تشاركه الوجود. هذا الحضور المزدوج — وجود الأنا ووجود الغير — يطرح تساؤلاً جوهرياً لا مفر منه: في الوقت الذي قد يمثل فيه الغير مصدر اعتراف وإغناء يخرج الأنا من عزلتها، فإنه قد يُشكِّل تهديداً لحريتها ويُحوِّلها إلى مجرد موضوع تحت الملاحظة والحكم. وهنا تتشكَّل الإشكالية الفلسفية في أحدِّ صورها: ماذا يمثل وجود الغير بالنسبة للأنا — هل هو إثبات وإغناء يُسهم في بناء الذات، أم نفي وتهديد يُخاطر بحريتها واستقلاليتها؟

موقف مارتن هايدغر Martin Heidegger (1889 - 1976)

يرى هايدغر أن الغير في صورته اليومية خطر حقيقي على أصالة الذات. فالإنسان في حياته العادية لا يعيش وجوده الخاص، بل يندمج في ما يُسمِّيه هايدغر "الداس مان" — أي "المرء" أو القطيع — ذلك الكيان المجهول الذي يُقرِّر ما يُلبَس وما يُقال وما يُفكَّر فيه. يقرأ الإنسان الصحيفة لأن "المرء" يقرؤها، ويحكم على الأشياء لأن "المرء" يحكم كذلك، وينسى في هذا كله أنه كان يمكن أن يكون شيئاً آخر. يقول في الوجود والزمان:

"إن هيمنة 'الآخرين' تُخفي حقيقة الإنسان عن نفسه... إن سطوة 'الآخرين' تحدد كل تفسير للعالم والحياة، ولا تترك للفرد إلا أن يتحول إلى تابع. إن 'الآخرين' يحرمون الفرد من مسؤوليته الشخصية، بل إن 'الآخرين' يمكنهم دائمًا تحمل المسؤولية بدلاً عنه، لأنه لا أحد يشعر بالحاجة إلى تحمل مسؤوليته بنفسه."¹

تتمثَّل قيمة هذا الموقف في تحذيره العميق من خطر الذوبان في القطيع وفقدان الأصالة تحت وطأة حياة التنميط والابتذال. جافير في رواية هوغو كان نموذجاً لهذا الذوبان: لم يرَ فالجان الإنسان لأن "المرء" في مجتمعه قرَّر مسبقاً ما يكون عليه المحكوم عليه. غير أن هذا الموقف يظل حبيس فردانية قاسية تختزل العلاقة مع الغير في تهديد دائم، وتُغفل ما يمكن أن يمنحه الغير من اعتراف وإغناء لا تستطيع الذات وحدها أن تمنحه لنفسها.

موقف إيمانويل لوفيناس Emmanuel Lévinas (1906 - 1995)

ينطلق لوفيناس من تجربة مغايرة تماماً: لقاء الوجه. الوجه عند لوفيناس ليس مجرد ملامح جسدية — هو اللحظة التي يظهر فيها الغير في هشاشته الكاملة، كائناً يمكن أن يُؤذى وكائناً يُطالب بألّا يُؤذى. هذا الحضور يخترق عزلة الأنا ويفرض عليها مسؤولية لم تطلبها ولم تختَرها، مسؤولية سابقة على كل تعاقد وكل حساب. ما فعله الأسقف ميريال مع فالجان لم يكن قراراً أخلاقياً مُفكَّراً فيه — كان استجابة لوجه. يقول في الكلية واللانهاية:

"الوجه الذي يواجهني هو ما لا يمكنني قتله، إنه ما يوقف قوتي. في الوجه يظهر الآخر ليس كمصدر تهديد، بل كمطلب مطلق. إنه يقول لي: 'لا تقتل!' دون أن ينطق بهذه الكلمات... في مواجهة الوجه، أدرك أن حريتي ليست المطلق، بل هناك ما هو أهم: العدالة. الوجه يجعلني أخرج من أنانيتي، ويكسر دائرة الاهتمام بذاتي."²

تتجلَّى قيمة هذا الموقف في تصحيحه لقصور الفردانية القاسية عبر التأكيد على أن لقاء الغير هو اللحظة التأسيسية للأخلاق ذاتها. غير أن المسؤولية المطلقة التي لا شروط لها قد تتحول إلى عبء مثالي يصعب الوفاء به في مواجهة تعقيدات الواقع وتعدد الالتزامات المتنافسة.

الخلاصة التركيبية


يُحذِّر هايدغر من سطوة الغير على هوية الذات ويدعو إلى استعادة الأصالة الوجودية في مواجهة القطيع. يرى لوفيناس في لقاء الغير على النقيض لحظةً تأسيسية للأخلاق تخرق عزلة الذات وتفرض عليها مسؤولية غير مشروطة. يكشف هذا التعارض أن الغير وجهان لا وجه واحد: هو القطيع الذي يُذيب الهوية، وهو الوجه الذي يُؤسِّس الإنسانية. يظل التساؤل مطروحاً: كيف يمكن الموازنة بين ضرورة الحفاظ على الاستقلالية الذاتية وواجب الانفتاح الأخلاقي على الغير؟

المراجع

¹ Heidegger, M. (1927). Être et Temps. Éditions Gallimard.

² Lévinas, E. (1961). Totalité et Infini: essai sur l'extériorité. Martinus Nijhoff Publishers.