العنف والمشروعية

التمهيد

في عام 1930، قرر غاندي أن يسير مع أتباعه مئتَي ميل إلى ساحل دندي لاستخراج الملح من البحر — مخالِفاً قانون الاحتكار البريطاني الذي يُجرِّم ذلك. لم يحمل أحد سلاحاً. حين وصلوا، ضرب جنود بريطانيون المتظاهرين بالهراوات — أمام مراسلين دوليين. كان الجنود يمارسون عنفاً قانونياً تاماً: صادراً عن سلطة شرعية، مستنداً إلى قانون نافذ، مُنفَّذاً عبر مؤسسة رسمية. لكن ما رآه العالم كان مختلفاً تماماً — رأى ظلماً فاضحاً.

يكشف هذا المشهد عن هوّة قد تتسع بين ما هو قانوني وما هو مشروع: الجنود كانوا محقِّين قانونياً ومخطئين أخلاقياً، والمتظاهرون كانوا مخالفين للقانون ومشروعين إنسانياً. متى يكون العنف مشروعاً ومبرراً — هل تكفي الشرعية القانونية الصادرة عن الدولة، أم أن الشرعية الأخلاقية معيار أعلى وأسمى؟

موقف ماكس فيبر Max Weber (1864 - 1920)

يُعرِّف فيبر الدولة الحديثة تعريفاً جوهرياً: هي تلك الجماعة البشرية التي تنجح في احتكار الاستخدام المشروع للقوة المادية داخل حدود إقليمية معينة. هذا الاحتكار هو ما يُنظِّم العنف ويمنعه من الانتشار الفوضوي — فحين تتفرد الدولة بحق استخدام القوة يُصبح كل عنف آخر غير مشروع بطبيعته. يقول في العالِم والسياسي:

"الدولة هي ذلك التجمع البشري الذي ينجح، داخل حدود إقليم معين، في احتكار الاستخدام المشروع للقوة البدنية... لا توجد جماعة بشرية يمكنها الاستغناء عن القوة كوسيلة أخيرة، لكن الدولة وحدها هي التي تمتلك الحق في استخدامها بشكل منهجي. هذا الاحتكار لا يعني غياب العنف في المجتمع، بل تحويله إلى أداة منظمة تخضع لمعايير الشرعية والقانون."¹

تتمثَّل قيمة هذا الموقف في واقعيته — فبدون احتكار الدولة للعنف يغدو كل فرد وجماعة قادراً على ممارسة القوة باسم "حقه"، وهو ما يُفضي إلى الفوضى لا إلى العدالة. غير أن مشهد الجنود في دندي يكشف حده الأخطر: حين يغدو القانون أداةً للقمع تستتر خلفه الشرعية القانونية لتُسكت كل سؤال أخلاقي.

موقف موهانداس كرامتشاند غاندي Mohandas Karamchand Gandhi (1869 - 1948)

يرفض غاندي رفضاً جذرياً ربط المشروعية بالمصدر القانوني — فالعنف القانوني يظل عنفاً يُدمِّر الكرامة الإنسانية لكلا الطرفَين: الضحية والجلاد. اللاعنف عنده ليس استسلاماً بل قوة روحية وأخلاقية أعمق من قوة السلاح — لأنها لا تهزم الخصم بل تُوقظ ضميره. يقول في جميع البشر إخوة:

"اللاعنف هو أعظم قوة متاحة للبشرية. إنه لا يعبر عن الجبن، بل يتطلب شجاعة أعظم من شجاعة المحارب. العنف يدمّر، أما اللاعنف فيبني... الهدف ليس هزيمة الخصم، بل إيقاظ ضميره. اللاعنف ليس غطاء للضعف، بل هو موقف أخلاقي نشط يتحدى الظلم ويحافظ على كرامة جميع الأطراف."²

تتجلَّى قيمة هذا الموقف في أن مسيرة الملح أثبتت جدواه العملية: صور الجنود وهم يضربون المتظاهرين السلميين أشعلت الرأي العام العالمي وأضعفت الشرعية البريطانية أكثر مما كان يفعله أي سلاح. غير أن اللاعنف يفترض أن للخصم ضميراً قابلاً للإيقاظ — وهو افتراض قد يتهاوى أمام أنظمة لا تعبأ بالرأي العام ولا تتردد في سحق المقاومة السلمية.

الخلاصة التركيبية:


يُؤسِّس فيبر المشروعية على الشرعية القانونية للدولة فيمنح النظام السياسي ضابطاً مؤسسياً، لكنه يُخاطر بجعل القانون درعاً للقمع. يرفع غاندي الشرعية الأخلاقية فوق القانونية فيُعيد للإنسان كرامته المقاوِمة، لكنه يواجه حدوده حين يتعامل مع سلطة تفتقر إلى أي حساسية أخلاقية.

يكشف مشهد دندي أن الشرعية القانونية والشرعية الأخلاقية يمكن أن تتعارضا تعارضاً صريحاً — وأن التاريخ يحكم في نهاية المطاف لصالح الأخلاق لا القانون. يظل التساؤل مطروحاً: في غياب محكمة أخلاقية عالمية، من يملك صلاحية الحكم على أن عنف الدولة تجاوز حدود المشروعية وبات استبداداً يستوجب المقاومة؟

المراجع

¹ Weber, M. (1919). Le savant et le politique. Éditions Plon.

² Gandhi, M. K. (1927). Tous les hommes sont frères. Éditions Gallimard.