التمهيد
في رواية الجريمة والعقاب لدوستويفسكي، يقتل راسكولنيكوف امرأةً مرابيةً مسنّة معتقداً أنه يتصرف بمحض إرادته — بل أكثر من ذلك، مقتنعاً بأنه يُنفِّذ حكماً أخلاقياً عقلياً خالصاً. غير أن ما يتكشَّف تدريجياً طوال الرواية هو أن هذا "الاختيار الحر" كان منسوجاً من فقر خانق وإذلال متراكم وأفكار توهَّم أنه يملكها وهي التي كانت تملكه. فهل كان راسكولنيكوف حراً حين قتل؟ أم أن فعله كان نتيجة حتمية لكل ما سبقه؟
يحمل هذا السؤال ثقلاً يتجاوز الأدب. فكل إنسان في حياته اليومية يعيش شعوراً عميقاً بأنه يختار — يُقدِم ويُحجم، يقرر ويتراجع. هذا الشعور هو ما يجعله أهلاً للمدح والثواب، وللوم والعقاب. لكن التأمل يكشف أن هذا الاختيار يجري دائماً داخل شبكة من الدوافع اللاواعية والتربية والظروف الاقتصادية والتركيب البيولوجي التي لم يختَرها.
الحتمية هي الفكرة القائلة بأن كل حدث في الكون — بما في ذلك أفعال الإنسان — محدَّد بالكامل بأسباب سابقة لا مفر منها. مثلما يُفضي الحريق حتماً إلى الدخان، يُفضي السبب ذاته دائماً إلى النتيجة ذاتها دون استثناء. أما الحرية أو الإرادة الحرة فهي القدرة على التصرف واتخاذ القرارات بشكل مستقل عن أي تأثير خارجي.
يتشكَّل هنا المأزق الفلسفي في صورته الحادة: إما أن كل أفعال الإنسان محدَّدة بأسباب سابقة لا يتحكم فيها، فتنهار فكرة المسؤولية الأخلاقية كلياً — إذ لا يُحاسَب أحد على ما لم يختَره. وإما أن الإنسان يملك حرية حقيقية، فيصبح عليه تفسير كيف تنشأ هذه الحرية في عالم تحكمه قوانين الطبيعة الصارمة. هل أفعال الإنسان نابعة من إرادته الحرة، أم أنها محدَّدة بدوافع وإكراهات خارجة عن سيطرته؟

موقف باروخ سبينوزا Baruch Spinoza (1632 - 1677)
يُجيب سبينوزا بحسم: الحرية التي يشعر بها الإنسان وهمٌ لا أكثر. يرى أن الكون آلة ضخمة تسير وفق قوانين سببية صارمة لا استثناء فيها — كل حدث نتيجة ضرورية لأسباب سابقة، وكل فعل إنساني حلقة في سلسلة لا تنقطع. لا يختلف الإنسان في هذا عن الحجر الساقط أو الموجة المتكسِّرة. الفارق الوحيد أن الإنسان واعٍ بأفعاله لكنه جاهل بأسبابها، وهذا الجهل بالذات هو ما يصنع وهم الحرية. يقول في الأخلاق:
"يخطئ البشر إذ يعتقدون أنهم أحرار؛ وهذا الرأي لا يقوم إلا على أنهم واعون بأفعالهم، لكنهم يجهلون الأسباب التي تحدّدها... فالطفل يعتقد أنه يرغب في الحليب بحرية، والفتى يريد الانتقام إذا أُغضب، والجبان يريد الهرب... وكذلك السكير يعتقد أنه يقول بقرار حر ما كان يتمنى لاحقًا، بعد أن أفاق، أن يكون قد كتمه."¹
تتمثَّل قيمة هذا الموقف في قدرته التفسيرية الصارمة: يكشف كيف تتحكم في السلوك الإنساني عوامل لا يُدركها صاحبه — من تكوين بيولوجي إلى تنشئة اجتماعية إلى دوافع لاواعية. وراسكولنيكوف نفسه، لو عاش زمن سبينوزا، لكان نموذجاً حياً على هذه الحتمية. غير أن هذا الموقف يدفع ثمناً باهظاً: يتحوَّل الإنسان إلى مجرد ترس، وتصبح المسؤولية الأخلاقية وهماً لا معنى له، ولا يبقى ما يُميِّز الجاني من الضحية سوى موقعهما في الآلة الكونية.
موقف جون بول سارتر Jean-Paul Sartre (1905 - 1980)
يقف سارتر في الطرف المقابل تماماً. يرى أن الإنسان لا يملك طبيعة ثابتة تحدد مساره — فهو يوجد أولاً ثم يصنع ماهيته بأفعاله واختياراته. الحرية ليست مزية يتمتع بها بعض البشر، بل هي بنيته الوجودية ذاتها — الإنسان "محكوم" بالحرية لأنه لا يستطيع الهروب من ضرورة الاختيار حتى حين يختار ألّا يختار. يقول في الوجودية مذهب إنساني:
"الإنسان في البداية ليس شيئًا. لن يكون إلا فيما بعد، وسيكون كما صنع نفسه... فالإنسان ليس فقط كما يتصور نفسه، بل كما يريد نفسه. إنه لا شيء سوى ما يصنعه بنفسه... وإذا كان الوجود حقًا يسبق الماهية، فإن الإنسان يكون مسؤولاً عما هو عليه."²
تتجلَّى قيمة هذا الموقف في إعادته الكرامة الحقيقية للإنسان ورفضه اختزاله في مجموعة أسباب وعوامل. يمنح سارتر الوجودَ الإنساني معنى حقيقياً ويُؤسِّس للمسؤولية الأخلاقية على أرضية صلبة — فراسكولنيكوف عند سارتر لا عذر له، إذ كان في كل لحظة يختار كيف يتعامل مع فقره وأفكاره. بيد أن هذه الحرية المطلقة تبدو مثالية أكثر مما ينبغي: هل يملك من نشأ في فقر مُدقع أو يعاني من اضطراب نفسي خطير نفسَ فضاء الاختيار الذي يفترضه سارتر؟ يُحرِّر سارتر الإنسانَ من الحتمية، لكنه يُحمِّله أحياناً عبئاً لا يتناسب مع حجم ما يملك فعلاً.
الخلاصة التركيبية
يُشخِّص سبينوزا الإنسانَ كائناً مُسيَّراً تحكمه ضرورات لا يُدركها، فيُنتج تفسيراً قوياً للسلوك لكنه يُسقط المسؤولية الأخلاقية. يُعلن سارتر حرية الإنسان المطلقة ومسؤوليته الكاملة، فيُنقذ الأخلاق لكنه يتجاهل ثقل القيود الواقعية.
يكشف هذا التعارض أن التجربة الإنسانية لا تنتمي كلياً إلى أي من الطرفين. فالإنسان لا يختار في فراغ كما يريد سارتر، ولا يُنفَّذ فيه كما يرى سبينوزا. ربما تكمن الحقيقة في أن الحرية ليست معطىً جاهزاً بل مساحة تتسع وتضيق — يوسِّعها الوعي والتفكير والإرادة، وتُضيِّقها الظروف والقيود. وربما المسؤولية الأخلاقية لا تحتاج إلى حرية مطلقة كي تكون حقيقية، بل تكفيها حرية نسبية واعية بحدودها. يظل التساؤل مفتوحاً: إذا كانت الحرية مساحة لا معطى، فمن يملك قدرة توسيعها ومن يُحرَم منها؟
المراجع
¹ Spinoza, B. (1677). Éthique (Livre III, Préface). Gallimard, coll. « Bibliothèque de la Pléiade ».
² Sartre, J.-P. (1946). L'existentialisme est un humanisme. Éditions Nagel.