الحرية والحتمية

التمهيد

يفتح القارئ المتأمل المصحف فيجد في سورة الإنسان آيتَين تفصل بينهما بضع آيات فقط — لكنهما تبدوان وكأنهما تتحدثان عن إنسانَين مختلفَين:

الأولى: "إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً" — إنسان يختار، يُعرَض عليه الطريق فيسلك أو يُعرض.

الثانية: "وما تشاؤون إلا أن يشاء الله" — إنسان لا تنفذ مشيئته إلا في ظل مشيئة أعلى تحتويها.

الكتاب واحد، والسورة واحدة — لكن الإنسان الذي تصفه الآيتان يبدو متناقضاً مع نفسه. أيُّهما هو الإنسان الحقيقي: ذلك الذي يختار بين الشكر والكفر، أم ذلك الذي لا يشاء إلا أن يشاء الله؟ هذا التوتر في صميم النص المقدس هو ما دفع المتكلمين إلى أشد الجدالات في تاريخ الفكر الإسلامي. هل الإنسان مُخيَّر يملك إرادة حرة وقدرة حقيقية على أفعاله فيُحاسَب عليها بعدل، أم أنه مُسيَّر بالقدرة الإلهية المطلقة فلا تقوم عليه حجة؟

موقف الجهم بن صفوان (745م - 697م)

ينطلق الجهم من الآية الثانية ويجعلها المرجع الأصل: مشيئة الله شاملة لا استثناء فيها — فلا تكون مشيئة العبد إلا في كنف مشيئة الله التي تسبقها وتحتويها. الإنسان لا يفعل شيئاً من تلقاء نفسه، وما يُنسَب إليه من فعل هو نسبة مجازية كنسبة الجريان إلى النهر. يقول: "الإنسان مجبور على أفعاله كتحرك الريح بالغصن، لا قدرة له ولا إرادة ولا اختيار. والله خالق أفعال العباد كما هو خالقهم، وهم لا يخلقون شيئاً. وإنما ينسب الفعل إليهم مجازاً لا حقيقة، كما يقال: جرت النهر، وطلعت الشمس."¹

تتمثَّل قيمة هذا الموقف في صون التوحيد من أي شرك في الفعل. غير أنه يُفرغ الآية الأولى من معناها — فإذا كان الإنسان لا يختار فلمَ قال الله "إما شاكراً وإما كفوراً" وكأنه خيار حقيقي؟ ويبقى سؤال العدل معلَّقاً: كيف يُحاسَب من لم يملك يوماً قراراً؟

موقف أبي عثمان الجاحظ (868م - 776م)

يتمسك الجاحظ بالآية الأولى ويجعلها الأساس: التكليف دليل الاختيار — فالله لا يعرض الطريق ويقول "إما شاكراً وإما كفوراً" إلا لمن يملك فعلاً قدرة الاختيار بينهما. المحاسبة على فعل لم يختره صاحبه ظلم، والله منزَّه عن الظلم. يقول: "لو كان العبد مجبوراً لسقط التكليف، وكان الثواب عبثاً والعقاب جوراً... والإنسان يحس من نفسه الفرق بين الحركة الإرادية والحركة الاضطرارية. فلو مد يده إلى الطعام بشهوة، ومدها إلى الدواء بكره، لعلم أن الأولى باختياره والثانية باضطراره."²

تتجلَّى قيمة هذا الموقف في إعطاء الآية الأولى حقَّها كاملاً — الشكر والكفر اختيار حقيقي يستوجب جزاءً حقيقياً. غير أن الآية الثانية تبقى تطرح سؤالها: إذا كانت مشيئة الإنسان مستقلة فما معنى أنها لا تكون إلا أن يشاء الله؟

موقف أبي الحسن الأشعري (935م - 873م)

يرفض الأشعري تغليب آية على أخرى ويقترح "الكسب" جمعاً بينهما: الله خالق الأفعال — وهذا ما تقوله الآية الثانية. والإنسان كاسب لها مختار — وهذا ما تقوله الآية الأولى. الفعل الواحد ينسب إلى الله خلقاً وإلى الإنسان كسباً. يقول: "إن الله تعالى خالق أفعال العباد، والعباد هم الكاسبون لأفعالهم. والخالق غير الكاسب، والفعل الواحد ينسب إلى الخالق خلقاً وإلى الكاسب كسباً... لا يجوز أن يقال: العبد خالق لأفعاله، كما لا يجوز أن يقال: هو مجبور عليها. بل الأمر بين الأمرين، لا جبر ولا تفويض، بل أمر بالكسب."³

تتمثَّل قيمة هذا الموقف في أنه لا يُلغي آية لحساب أخرى بل يُحاول استيعابهما معاً. غير أن مفهوم الكسب يظل بحاجة إلى تفسير أعمق: إذا كان الله خالق مشيئة الإنسان ذاتها فبأي معنى تكون تلك المشيئة حرة؟

الخلاصة التركيبية:


يصون الجهم التوحيد لكنه يُسقط العدل ويُفرغ التكليف من معناه. يُثبت الجاحظ العدل والتكليف لكنه يُضيِّق من إطلاق المشيئة الإلهية. يحاول الأشعري الجمع لكن مفهوم الكسب يُسمِّي المشكلة أكثر مما يحلُّها.

ربما يكون التوتر بين الآيتَين مقصوداً — إشارة إلى أن الإنسان يعيش في الحقيقة بين قطبَين لا يستطيع الإفلات من أيٍّ منهما: حين ينجح يشعر أنه اجتهد، وحين يفشل يلوذ بالقدر. وفي كلا الحالَين لا يكذب — لأن الحقيقة الإنسانية أوسع من أن تُختزل في موقف واحد. يظل التساؤل مطروحاً: هل جاء القرآن بالآيتَين معاً ليحلَّ التناقض، أم ليُخبرنا أن هذا التوتر هو حقيقة الوجود الإنساني التي لا تحتمل حلاً نهائياً؟

المراجع

¹ الجهم بن صفوان. (2003). رسائل الجهم بن صفوان. دار الكتب العلمية.

² الجاحظ، أبو عثمان. (2002). الحيوان. دار الكتب العلمية.

³ الأشعري، أبو الحسن. (1990). مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين. دار النفائس.