النص الثالث

النص

يُخطئ من يظن أن عواطفه نحو الغير نقية خالصة لا يشوبها طمع — فكل ميل نحسّ به، أو نتوهم إمكانية الإحساس به تجاه الغير، لا يسلم من نزاع المصلحة الشخصية. حتى الصداقة الأكثر سخاءً، مهما بدت نبيلة ومتجردة، ليست في جوهرها سوى تحوير لحب الذات. وحين نبدو ملتزمين بأقصى درجات الإخلاص ساعين إلى تحقيق حرية الناس وسعادتهم، فإن ما يحركنا في الواقع — ولو بغير وعي منا — هو المنفعة الشخصية لا غير.

كثيراً ما نظهر — سواء من خلال خيالنا أو تفكيرنا أو حماسنا — كما لو كنا نشاطر الغير مصالحه متجردين من كل أنانية. غير أن منبع تصرفاتنا تلك، في حقيقة الأمر، هو حرصنا على سعادتنا ورفاهيتنا الشخصيتين. ويستوي في هذا الأمر المواطن الكريم مع البخيل المقتر، والبطل الشجاع مع الجبان البائس.¹

حلل النص وناقشه

مقترح التصحيح

أولاً — الفهم (04 نقط)

تحديد موضوع النص (01 ن)

يتناول النص موضوع العلاقة مع الغير من زاوية نفسية واجتماعية عميقة — هل تقوم هذه العلاقة على الإخلاص والتجرد الحقيقي، أم أن المصلحة الشخصية تسكن باطنها مهما ادّعت الخلوص والنقاء؟

صياغة المفارقة وإبراز الإشكال (02 ن)

تكمن المفارقة في أن الإنسان يُظهر في علاقاته مع الغير تجرداً كاملاً من الأنانية — يتصادق ويضحي ويلتزم بمصالح الآخرين — لكنه في الوقت ذاته لا يفعل ذلك إلا لأن في ذلك منفعة باطنة تعود عليه. ومن هنا يبرز الإشكال: العلاقة مع الغير بين الإخلاص والمصلحة — هل يمكن قيام علاقة حقيقية مع الغير بمعزل عن المنفعة الشخصية؟

صياغة الأسئلة الموجهة (01 ن)

ما الغير؟ وما الصداقة؟ وما المصلحة الشخصية؟ وهل يمكن أن تكون عواطف الإنسان تجاه الغير خالصة تماماً من كل منفعة ذاتية، أم أن المصلحة الشخصية هي المحرك الخفي لكل علاقة؟

ثانياً — التحليل (05 نقط)

تحديد أطروحة النص وشرحها (02 ن)

تقوم الأطروحة على مبدأ نفسي صارم مفاده أن المصلحة الشخصية هي الدافع الحقيقي لكل علاقة مع الغير — حتى في أسمى صور التجرد والإخلاص كالصداقة السخية والالتزام بحرية الناس. والمصلحة هنا لا تعني بالضرورة المنفعة المادية بل تشمل كل ما يحقق للأنا سعادته ورفاهيته الداخلية ولو بغير وعي منه.

تحديد أفكار النص ومفاهيمه والعلاقات بينها (02 ن)

تتضمن الفقرة الأولى فكرة جوهرية تقرر أن كل عاطفة يحسها الإنسان تجاه الغير — سواء كانت فعلية أو افتراضية — لا تخلو من مصلحة شخصية خفية. ويُجسّد مفهوم الصداقة السخية النموذج الأكثر تحدياً لهذه الفكرة، لأنها تبدو بلا مقابل، غير أن النص يكشف أنها ليست سوى تحوير لحب الذات. وتُعمّق الفقرة الثانية هذا الكشف بتعميمه على كل البشر دون استثناء — الكريم والبخيل، والشجاع والجبان — لتغدو المصلحة الشخصية قانوناً كونياً لا استثناء له. وتجمع هذه الأفكار علاقة تكامل وتصاعد: من الخاص إلى العام، ومن المثال إلى القاعدة.

تحليل الحجاج المعتمد (01 ن)

يعتمد النص بنية حجاجية ثلاثية — يُقرر أولاً المبدأ العام، ثم يستنبط مثال الصداقة السخية ليدعمه، وأخيراً يُعمّم الفكرة على كل البشر عبر ثنائيات متقابلة. وتقوم البنية الحجاجية على التقابل بين الظاهر والباطن، وبين الادعاء والحقيقة.

ثالثاً — المناقشة (05 نقط)

إبراز قيمة الأطروحة وحدودها (03 ن)

تكمن قيمة هذه الأطروحة في جرأتها على كشف ما يختبئ خلف أجمل العواطف الإنسانية — فهي تُنبّه إلى أن الإخلاص الظاهر قد يكون وهماً يخدع به الإنسان نفسه قبل أن يخدع الآخرين. وبذلك تتقاطع مع التقليد النفسي التحليلي الذي يرى أن الدوافع الحقيقية تسكن اللاوعي لا الوعي. كما تتقاطع مع الواقعية الأخلاقية التي ترفض المثالية المجردة وتستحضر الطبيعة البشرية كما هي لا كما ينبغي أن تكون.

غير أن هذه الأطروحة تواجه اعتراضاً أخلاقياً جوهرياً — فاختزال كل العواطف في المصلحة الشخصية يُفضي إلى نتيجة مُحبِطة تجعل الإنسان أسير أنانيته إلى الأبد. فضلاً عن ذلك فإن هذه الأطروحة تتخذ من الإنسان وسيلة لا غاية، وهو ما يتعارض مع المبدأ الكانطي الذي يرى أن الإنسان يجب أن يُعامَل غاية في ذاته لا أداة لتحقيق مصالح الآخرين.

فتح إمكانات أخرى للتفكير (02 ن)

يُمكن تجاوز هذا التعارض عبر تمييز فلسفي دقيق اقترحه مارتن بوبر — إذ يُفرق بين نوعين من العلاقات: علاقة أنا–هو وهي علاقة أداتية تتخذ من الغير وسيلة، وعلاقة أنا–أنت وهي علاقة وجودية حية يلتقي فيها كياني بكيان الآخر في اعتراف متبادل حقيقي. هذا التمييز لا يُلغي المصلحة لكنه يفتح إمكانية علاقة تتجاوزها.

رابعاً — التركيب (03 نقط)

كشف النص أن المصلحة الشخصية تسكن باطن كل علاقة مع الغير — حتى في أسمى صور الإخلاص والتضحية. وتبقى قيمة هذا الموقف في صدقه النفسي ووصفه الواقعي للدوافع البشرية الخفية. غير أن اختزال كل العلاقات في المصلحة يُفقر الوضع البشري ويُغلق أفق التعالي. والأجدر فلسفياً أن نُميز بين مصلحة ضيقة تتخذ من الغير أداة، ومصلحة مُتسامية تتحقق فيها سعادة الأنا بسعادة الغير لا على حسابه — إذ لا يتناقض الحب الحقيقي مع الاستفادة منه، بل ربما كان أعمق أشكال الاستفادة.

الجوانب الشكلية (03 نقط)

تماسك العرض، سلامة اللغة، وضوح الخط، علامات الترقيم.

¹ لاروشفوكو، فرنسوا دو. (1665). المآثر والتأملات الأخلاقية. ترجمة عربية. دار الفكر.