القولة
"الثمن الذي يدفعه الطيبون لقاء لا مبالاتهم بالشؤون العامة هو أن يحكمهم الأشرار."
وضّح(ي) مضمون هذه القولة وأبرز(ي) حدودها.
مقترح التصحيح
أولاً — الفهم (04 نقط)
تحديد موضوع القولة (01 ن)
تتناول القولة موضوع المشاركة السياسية والعزوف عنها — هل يستطيع الأخيار أن يظلوا محايدين تجاه الشأن العام دون أن يدفعوا ثمناً لهذا الحياد، أم أن اللامبالاة السياسية هي بحد ذاتها فعل يُتيح للأشرار الاستيلاء على السلطة وتوجيه المصائر؟
صياغة المفارقة وإبراز الإشكال (02 ن)
تكمن المفارقة في أن الطيبين يظنون أن ابتعادهم عن السياسة يصونهم من أوحالها — ومع ذلك تُجزم القولة بأن هذا الابتعاد بالذات هو الذي يُسلّم مقاليد السلطة للأشرار فيُصبح الطيبون أول ضحاياه. يهربون من السياسة فتحكمهم أسوأ سياسة — في آنٍ واحد. ومن هنا يبرز الإشكال: المشاركة السياسية بين الانخراط والعزوف — هل تُفضي لا مبالاة الأخيار بالشأن العام إلى تمكين الأشرار من الحكم، أم أن الانخراط في السياسة ينطوي بدوره على مخاطر لا تقل خطورة عن الحياد؟
صياغة الأسئلة الموجهة (01 ن)
من الطيبون ومن الأشرار في السياسة؟ وما اللامبالاة بالشؤون العامة؟ وما العلاقة بين العزوف السياسي وتمكّن الفساد؟ وهل يكفي انخراط الأخيار في الشأن العام لكبح طغيان الأشرار، أم أن السياسة تلتهم نوايا الأخيار قبل أن يلتهموا الأشرار؟
ثانياً — التحليل (05 نقط)
تحديد أطروحة القولة وشرحها (02 ن)
تقوم الأطروحة على مبدأ المسؤولية السياسية للأخيار — فحكم الأشرار ليس قدراً محتوماً بل نتيجة مباشرة لتخلي الأخيار عن الشأن العام. والحياد ليس براءة بل تواطؤ صامت — فمن لا يملأ الفراغ السياسي يتركه لمن لا ضمير له. ولذلك تدعو القولة ضمنياً إلى انخراط الأخيار في العمل السياسي لا للانتصار المضمون بل لقطع الطريق أمام تغوّل الأشرار واستفرادهم بالسلطة.
تحديد مفاهيم القولة وبيان العلاقات بينها (02 ن)
تتضمن القولة أربعة مفاهيم متشابكة — الطيبون بوصفهم الأفراد والجماعات ذوي النوايا الحسنة الذين يُحجمون عن السياسة، والأشرار بوصفهم القوى الساعية إلى الاستيلاء على السلطة وإساءة استخدامها، واللامبالاة بوصفها الموقف السلبي المتمثل في العزوف عن الشأن العام والامتناع عن المشاركة السياسية، والثمن بوصفه النتيجة الحتمية لهذه اللامبالاة أي الخضوع لحكم من لم يُختَروا. وتجمع هذه المفاهيم علاقة سببية صارمة — اللامبالاة تُنتج الفراغ والفراغ يستدعي الأشرار والأشرار يُنتجون الاستبداد.
تحليل الحجاج المعتمد (01 ن)
تعتمد القولة بنية حجاجية قائمة على المفاعلة بين السبب والثمن — تُقدّم اللامبالاة سبباً وتُقدّم حكم الأشرار ثمناً، مُصوّرةً العلاقة بينهما علاقة تبادل اقتصادي لا علاقة صدفة تاريخية. وهذا التصوير الاقتصادي للفعل السياسي يجعل اللامبالاة خساراً واعياً لا مجرد غياب بريء.
ثالثاً — المناقشة (05 نقط)
إبراز قيمة الأطروحة وحدودها (03 ن)
تكمن قيمة هذه الأطروحة في استنهاضها لمسؤولية الأفراد والجماعات تجاه الشأن العام — فهي ترفض الحياد المريح وتُثبت أن الصمت ثمن لا براءة. وهي في ذلك تتقاطع مع الفكر الديمقراطي التشاركي الذي يرى أن الديمقراطية لا تعيش بالقوانين وحدها بل بإرادة المواطنين الفاعلين. والوقائع التاريخية تُؤكدها — من سكوت الصحابة عن حصار عثمان إلى لامبالاة الغرب من مغامرات هتلر الأولى.
غير أن هذه الأطروحة تواجه اعتراضاً تاريخياً وأخلاقياً جوهرياً — فكثير من الأخيار الذين انخرطوا في السياسة ابتُلعوا من قوى الشر أو تحوّلوا إلى أدوات في يدها. فالطريق إلى الجهنم السياسية مُبلَّط بالنوايا الحسنة — ومن الأنبياء إلى الثوار شهد التاريخ كيف تلتهم السياسة أصفى المشاركين فيها. فضلاً عن ذلك فإن مفهومَي الطيبين والأشرار مفهومان نسبيان مشحونان أيديولوجياً — فكل طرف يصف نفسه بالخير وخصمه بالشر.
فتح إمكانات أخرى للتفكير (02 ن)
يفتح هذا الإشكال أفقاً أخلاقياً سياسياً عميقاً — إذ يطرح الفيلسوف الألماني ماكس فيبر التمييز بين أخلاق النية وأخلاق المسؤولية. فالأخيار الذين يدخلون السياسة بنوايا نقية دون إدراك قواعدها يُمكن أن يُحدثوا ضرراً أكبر من الأشرار الذين يُتقنون اللعبة. وهذا يعني أن الانخراط السياسي للأخيار يستلزم ليس فقط النية الحسنة بل الكفاءة السياسية والواقعية الضرورية لعدم السقوط في فخاخ الأشرار.
رابعاً — التركيب (03 نقط)
حذّرت القولة من ثمن الصمت السياسي — فاللامبالاة بالشأن العام ليست براءة بل تنازل طوعي يُسلّم الساحة لمن لا ضمير له. وتبقى قيمة هذا التحذير في استنهاض المسؤولية الجمعية وكسر وهم الحياد المريح. غير أن الانخراط في السياسة ليس ضماناً بالنصر — فكثير من الأخيار سقطوا في فخاخ الأشرار حين دخلوا اللعبة بنوايا نقية وأدوات ساذجة. والأجدر قولاً هو أن لا مفر من السياسة — فمن لم يمارسها مُورست به. لكن ممارستها تستلزم جمع النية الحسنة مع الكفاءة السياسية الواقعية كي لا يتحول الخير إلى سلاح في يد الشر.
الجوانب الشكلية (03 نقط)
تماسك العرض، سلامة اللغة، وضوح الخط، علامات الترقيم.
القولة منسوبة لأفلاطون. الجمهورية. ترجمة فؤاد زكريا. الهيئة المصرية العامة للكتاب.