يحلم الإنسان بالحرية المطلقة — أن يفعل ما يشاء دون حد ولا قيد¹. لكن يكتشف سريعاً أن هذا الحلم يتحول إلى كابوس حين يشاركه الآخرون الحلم ذاته — إذ تتصادم الإرادات وتتعارض الرغبات ويأكل القوي حرية الضعيف.
من هنا تنشأ الحاجة إلى تقييد الحرية لا لإلغائها بل لإنقاذها² — فتتحول من حرية مطلقة تهدد الجميع إلى حرية مدنية تحمي الجميع. وتغدو القاعدة الذهبية للعيش المشترك بسيطة وعميقة في آنٍ واحد: تنتهي حريتي حيث تبدأ حرية الآخر.
يجعل هذا التحول الحرية ظاهرة تقع بين قطبين لا مفر منهما³ — الرغبة القبلية التي تدفع الإنسان نحو الانعتاق من كل قيد، والمسؤولية البعدية التي تُلزمه باحترام الآخر والالتزام بالقانون. وتنبثق من هذا التوتر ثلاثة أسئلة تمس جوهر الوجود الإنساني: هل الحرية المطلقة ممكنة أم أنها وهم يتبدد عند أول احتكاك مع الواقع؟ وهل يتعارض القانون مع الحرية أم يشترطها؟ وهل يكون الإنسان حراً حقاً حين يختار الواجب لا حين يتهرب منه؟
المراجع
¹ Berlin, I. (2014). Deux conceptions de la liberté. Éditions de l'Herne.
² Rousseau, J.-J. (2001). Du contrat social. Flammarion.
³ Taylor, C. (1998). La Liberté des modernes. Presses Universitaires de France.