التمهيد
في رواية آنا كارنينا لتولستوي، يعيش ليفين وكيتي قصة حب طويلة تبدأ بسوء فهم متبادل وترفض وألم. حين يجلسان أخيراً وجهاً لوجه في مشهد الاعتراف الشهير، لا يتحدثان بالكلمات الكاملة — يكتب كل منهما الحروف الأولى من الجمل على الطاولة ويفهم الآخر. يصف تولستوي تلك اللحظة كأعمق تواصل في الرواية. لكن القارئ يعرف ما لا يعرفه الشخصان: أن كل واحد منهما كان يُسقط على تلك الحروف المبهمة ما كان يريد أن يسمعه.
تحمل هذه اللحظة مفارقة كاملة لإشكالية معرفة الغير: يشعر الاثنان بأنهما يتفاهمان تفاهماً عميقاً خارقاً للغة، لكن ما يجري في الحقيقة هو أن كلاً منهما يقرأ نفسه في الآخر. فهل هذا فهم حقيقي أم وهم فهم؟
يعيش الإنسان في مفارقة يومية: يبني تفاعلاته على افتراض أنه يفهم الآخرين، ويشعر أحياناً بأنه يعرف ما يشعر به صديقه قبل أن ينطق. لكنه في الآن ذاته محصَّن داخل تجربته الذاتية الخاصة — لا يمكنه أن يعيش ما يعيشه الغير أو يشعر بما يشعر به بشكل مطلق. يطرح هذا التناقض سؤالاً لا مفر منه: هل معرفة الأنا للغير ممكنة حقاً، أم أن الغير يظل دوماً ذاتاً مغلقة لا يمكن استيعابها بالكامل؟

موقف نيكولا مالبرانش Nicolas Malebranche (1638 - 1715)
يرى مالبرانش أن معرفة الغير لا تقوم في جوهرها إلا على مبدأ المماثلة: يُسقط الأنا ما يشعر به على الغير ويفترض أن ما ينطبق على نفسه ينطبق عليه. حين يرى باكياً يقول "هو حزين" لأنه هو نفسه يبكي حين يحزن. لكن هذا الإسقاط افتراض لا يقين، وفرضية قابلة للخطأ في كل لحظة. يقول في البحث عن الحقيقة:
"إنني أعتقد أن الأجسام الأخرى تشبه جسدي، وأن النفوس الأخرى تشبه روحي. لكنني لا أعرف ذلك بيقين، بل إنني أفترضه... عندما أرى شخصًا يبكي، أقول إنه حزين، لأنني عندما أبكي فأنا حزين. وهكذا أضع مشاعري مكان مشاعر الآخر. لكن هذا الظن قد يخونني، فقد يكون هذا الشخص يبكي فرحًا، أو يتظاهر بالحزن. فمعرفتي بالغير هي دائماً ظنٌّ وتخمين."¹
تتمثَّل قيمة هذا الموقف في كشفه الصريح عن الطبيعة التخمينية لمعرفة الغير وتحذيره من وهم اليقين في الحكم على الآخرين. وما جرى مع ليفين وكيتي كان نموذجاً حياً على ذلك — توهَّم كل منهما أنه يفهم، والفهم لم يكن سوى إسقاط. غير أن هذا الموقف يظل حبيس طريق وحيد للمعرفة هو الإسقاط الذاتي، متجاهلاً إمكانية أن يكشف الغير عن نفسه من خلال لقاء مباشر لا يحتاج دائماً إلى الوساطة بالمماثلة.
موقف جيدو كريشنامورتي Jiddu Krishnamurti (1895 - 1986)
يضيف كريشنامورتي بُعداً آخر للإشكالية: حتى لو افترض تجاوز عقبة الإسقاط، تبقى عقبة الزمن. فالمعرفة التي يكوِّنها الإنسان عن الغير تتجمَّد في لحظة تشكُّلها وتصبح ماضياً، بينما الغير يواصل تغيُّره وتطوُّره. يلتقي الإنسان بصديقه القديم حاملاً صورة تكوَّنت منذ سنوات، فلا يرى أمامه الإنسان الحاضر بل يرى ذكرى متجسِّدة. يقول في الحرية الأولى والأخيرة:
"المعرفة هي دائماً في الماضي، والمعرفة هي العدو الكلب للفهم. عندما تقول 'أعرف صديقي'، فأنت لا تعرفه على الإطلاق. أنت تعرف فقط الصورة التي كونتها عنه في الماضي. لكن الصديق كائن حي، يتغير باستمرار... هذا هو سبب كل الصراعات في العلاقات. الفهم الحقيقي يعني النظر إلى كل شيء بعيون جديدة في كل لحظة، دون حمل ثقل الماضي."²
تتجلَّى قيمة هذا الموقف في كشفه لنوع خاص من العمى: ليس عمى الجهل بل عمى المعرفة ذاتها حين تتحجَّر وتسدُّ الطريق أمام الرؤية الجديدة. غير أن رفض المعرفة السابقة كلياً يطرح إشكالاً مقابلاً: لو أسقط الإنسان كل ما يعرفه عن الغير في كل لقاء، أصبح كل علاقة ابتداءً من الصفر، وانهار أي أساس لاستمرارية الثقة والفهم المتراكم.
الخلاصة التركيبية
يكشف مالبرانش أن معرفة الغير تقوم على إسقاط الذات لا على إدراك مباشر، فتظل ظنيةً معرَّضةً للخطأ. يُضيف كريشنامورتي أن المعرفة حتى حين تتشكَّل تتقادم بتقادم الزمن، فيصبح الغير المعروف شخصاً آخر عمَّن نظن أننا نعرفه. يكشف هذان الموقفان معاً عن ثنائية عسيرة: خطر الإسقاط الذاتي من جهة، وخطر الجمود في التصورات المتقادمة من جهة أخرى. يظل السؤال مفتوحاً: هل يمكن الوصول إلى معرفة بالغير تتجاوز الإسقاط دون أن تتخلى عن الذاكرة، وتنفتح على التغيُّر دون أن تفقد الاستمرارية؟
المراجع
¹ Malebranche, N. (1674). De la recherche de la vérité (Livre III, Deuxième Partie, Chapitre I). Vrin.
² Krishnamurti, J. (1970). La première et dernière liberté. Éditions Stock.