في عام 1755، ضرب زلزال عنيف مدينة لشبونة ودمَّرها في دقائق، وراح ضحيتَه ما يزيد على ستين ألف إنسان. كان الحدث صادماً لدرجة أنه هزَّ الفكر الأوروبي كله وأشعل جدلاً فلسفياً حول معنى الشر والعناية الإلهية والمصير الإنساني. لكن ما لفت نظر فولتير، الذي كتب عنه قصيدته الشهيرة ثم روايته كانديد، لم يكن الزلزال وحده — بل كان ردود الفعل الإنسانية عليه: في مقابل كل من هبَّ لنجدة الضحايا دافعاً بروحه، كان ثمة من ينتهز الفرصة للنهب.
يكشف هذا المشهد عن توتر عميق لم تحلَّه الحضارة الإنسانية حتى اليوم: الإنسان كائن قادر على أسمى أشكال التضامن وأحطِّ أشكال الأنانية في آنٍ واحد. واليوم، مع تقلُّص المسافات وتشابك المصائر وانكشاف كل أزمة على العالم فورياً، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى: ما نوع العلاقة بين الأنا والغير التي تحتاجها الإنسانية لتجاوز العزلة والصراع وبناء وجود مشترك آمن؟
يعيش العصر الحديث مفارقة حادة: لم يسبق للبشر أن كانوا متواصلين إلى هذا الحد، ولم يسبق لأشكال الانقسام والاستقطاب والعزلة أن كانت حاضرة بهذه الحدَّة في آنٍ واحد. أمام هذا الواقع، لا يكفي وصف العلاقة بين الأنا والغير — بل يصبح السؤال معيارياً أخلاقياً: ما نوع العلاقات التي يجب أن تُبنى، وأيُّ أساس أخلاقي يكفل التوازن بين استقلالية الأنا والمسؤولية تجاه الغير؟

موقف فولتير (فرانسوا ماري أروي) Voltaire (François-Marie Arouet) (1694 - 1778) : الصداقة
يرى فولتير أن الصداقة ليست ترفاً اجتماعياً بل ضرورة وجودية. يصفها بأنها "زواج الروح" — ميثاق ضمني عميق بين شخصين فاضلين يتجاوز كل العلاقات الوظيفية والمصلحية. بواسطتها يهرب الإنسان من وحدته ويُضاعف وجوده في الآخر. لكن فولتير يضع لهذه العلاقة شرطاً أخلاقياً صارماً: لا تنشأ الصداقة الحقيقية إلا بين فاضلَين، أما سائر الارتباطات فهي رفقة مصالح لا أكثر. يقول في المعجم الفلسفي:
"الصداقة هي ميثاق ضمني بين شخصين حساسين وفاضلين، تحالف عميق يتجاوز العلاقات الاجتماعية العابرة. الصداقة هي زواج الروح، حاجة حتمية تمنح الإنسان القدرة على الهروب من الوحدة وتضاعف ذاته في الآخر... فقط الفاضلون يملكون أصدقاء حقيقيين، أما الأشرار فلديهم رفاق سوء، والمتطلعون لديهم شركاء، والأمراء لهم الحواشي."¹
تتمثَّل قيمة هذا الموقف في تأسيسه للعلاقة مع الغير على عمق أخلاقي حقيقي لا على مصلحة عابرة — وهو ما يجعل الصداقة عنده أداةً لمقاومة العزلة وتوسيع الذات. غير أن هذه الرؤية تظل حبيسة دائرة ضيقة: تقتصر على علاقتَين فرديتَين وتشترط الفضيلة مسبقاً، متجاهلةً إمكانية أن تبني العلاقات الأوسع نطاقاً — بين مجتمعات وشعوب — أخلاقاً جماعية لا تختزل في الصداقة الشخصية.
موقف أوغست كونت Auguste Comte (1798 - 1857) : الغيرية أو الإيثار
ينطلق كونت من سؤال مختلف: لماذا ينبغي للإنسان أن يلتزم بالغير أصلاً؟ إجابته أن الإنسان لم يبنِ نفسه وحده — كل ما يمتلكه من معرفة وأدوات وثقافة وأمان هو إرث تراكمي خلَّفته أجيال من العلماء والمفكرين والمخترعين الذين ضحَّوا لم يعرفوهم. هذا الدَّين الوجودي يفرض واجباً أخلاقياً يتجاوز الصداقة الشخصية: الإيثار كانتساب إلى الإنسانية كلها. يقول في نظام السياسة الوضعية:
"يجب أن نعترف بأن الإنسان ينتمي إلى الإنسانية أكثر مما ينتمي إلى نفسه. فكل ما فينا من قوى وخيرات نستمده من التراث المشترك الذي خلَّفه لنا الأسلاف. إن الإيثار ليس مجرد فضيلة، بل هو واجب نابع من اعترافنا بالجميل لمن سبقونا... إن تكريس الذات لخدمة الآخرين هو القانون الأعلى للأخلاق، وهو الذي يحقق لنا السعادة الحقيقية."²
تتجلَّى قيمة هذا الموقف في تجاوزه حدود الصداقة الفردية نحو أفق أخلاقي كوني يجعل الالتزام بالغير واجباً لا هبةً طوعية. غير أن الدعوة إلى تكريس الذات كلياً لخدمة الكل تشكِّل حداً خطيراً: حين تتحول الغيريةُ إلى واجب مطلق لا يعترف بالحقوق الفردية، تُفرَّغ الحياة الإنسانية من خصوصيتها وتغدو العلاقات الشخصية الأصيلة ضحيةً لواجب مجرَّد.
خلاصة التركيبية
يُؤسِّس فولتير العلاقة مع الغير على عمق شخصي وانتقائية أخلاقية، فيمنحها رسوخاً وأصالة لكنه يُضيِّق نطاقها. يُوسِّع كونت هذا النطاق ليشمل الإنسانية كلها عبر واجب الإيثار، لكنه يُخاطر بإلغاء الخصوصية الفردية تحت ثقل المسؤولية الكونية.
يكشف هذا التعارض أن إشكالية العصر لا تحلُّها نموذج واحد: فالإنسانية تحتاج إلى عمق الصداقة الشخصية التي تصنعها الفضيلة المشتركة، وتحتاج في الآن ذاته إلى أفق المسؤولية الكونية الذي يتجاوز الدوائر الضيقة. يظل التساؤل مطروحاً: كيف تُبنى علاقة تحفظ للأنا استقلاليتها وتلتزم في الوقت ذاته بالغير التزاماً حقيقياً لا يختزل في واجب مجرَّد؟
المراجع
¹ Voltaire. (1764). Dictionnaire philosophique. Éditions Garnier.
² Comte, A. (1851). Système de politique positive (Tome 1). Éditions Carilian-Goeury et Vor Dalmont.