التمهيد
في عام 1945، جلس ضابط نازي سابق أمام قضاة نورنبرغ ومعه دفاع بدا له منطقياً تاماً: "لم أكن سوى أداة تنفذ أوامر." لم يُنكر الوقائع، ولم يُجادل في الأرقام. اكتفى بالقول إنه لم يكن يتصرف بوصفه شخصاً بل بوصفه وظيفة — ترساً في آلة أكبر منه. غير أن المحكمة رفضت هذا الدفاع رفضاً قاطعاً، وأصدرت أحكامها على أشخاص، لا على آليات.
يحمل هذا الموقف في طياته مفارقة فلسفية عميقة. فالمتهم نفسه كان يتعامل مع ضحاياه بوصفهم أشياء لا أشخاصاً — أعداداً في سجلات، لا كائنات ذات قيمة ذاتية. والمحكمة من جهتها رفضت أن يتنازل هو عن شخصيته الأخلاقية بادعاء الطاعة العمياء. كلا الطرفين إذن يفترضان جواباً على سؤال لم يُصَغ صراحةً: ما الذي يجعل الإنسان شخصاً لا شيئاً؟ وما الأساس الذي يجعل الاعتداء عليه جريمة لا مجرد ضرر؟
يُقيم النظام الأخلاقي والقانوني العالمي تفريقاً جذرياً بين الاعتداء على الإنسان والاعتداء على الحيوان: يُحرَّم الأول بصرامة مطلقة، بينما يخضع الثاني لاعتبارات نسبية ومرنة. غير أن هذا التفريق يفترض إجابة على سؤال لم يُجَب عنه صراحةً بعد. هل تستمد الكرامة الإنسانية قوتها من العقل والحرية الأخلاقية اللذين يحوِّلان الإنسان إلى غاية في ذاته؟ أم أن ربط الكرامة بالعقل يُضيِّق دائرتها تضييقاً خطيراً يستبعد من لا يمتلكون هذه القدرة؟ ما الأساس الفلسفي الذي يجعل الإنسان جديراً بالاحترام المطلق ويجعل الاعتداء عليه محرَّماً أخلاقياً وقانونياً؟

موقف إيمانويل كانط Emmanuel Kant (1724 - 1804)
يُؤسِّس كانط إجابته على تمييز جوهري بين نوعين من الكائنات: كائنات تُحرَّك بالغرائز والميول، وكائنات تملك القدرة على أن تشرِّع لنفسها القانون الأخلاقي وتخضع له بحرية. يقع الإنسان في الفئة الثانية بحكم عقله، وهذا العقل هو ما يحوِّله من مجرد كائن حي إلى شخص — أي إلى غاية في ذاته لا يجوز اختزالها في وسيلة لخدمة غايات خارجية. يقول في تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق:
"إن الإنسان، بل كل كائن عاقل بشكل عام، يوجد كغاية في ذاته، وليس مجرد وسيلة... فالكائنات غير العاقلة ليس لها سوى قيمة نسبية كوسائل، ولذلك تُسمَّى أشياءً، أما الكائنات العاقلة فتُسمَّى أشخاصًا... وليس للقيمة إلا ثمن بديل، أما الكرامة فلها قيمة داخلية لا تقبل المساومة."¹
تتمثَّل قيمة هذا الموقف في تأسيسه لمبدأ أخلاقي كوني وصارم: تستمد الكرامة الإنسانية قوتها لا من عرف ثقافي أو قانون وضعي، بل من طبيعة العقل ذاته الذي يجعل صاحبه مصدراً للأخلاق لا مجرد خاضع لها. وهنا تتضح الإجابة على مفارقة نورنبرغ: الضابط الذي ادّعى أنه مجرد أداة كان يتنازل عن شخصيته الأخلاقية، وهو تنازل يرفضه كانط لأن الإنسان العاقل لا يملك حق التخلي عن حريته الأخلاقية. غير أن هذا الموقف يكشف عن حدٍّ جوهري حين يُواجه بسؤال محرج: إذا كان العقل هو المعيار الوحيد للكرامة، فماذا يكون حكم الرضيع والإنسان المصاب بإعاقة عقلية عميقة؟ يجعل كانط الكرامة راسخة وكونية، لكنه يبنيها على معيار لا يشمل جميع من يتمتعون بها فعلاً في ضميرنا الأخلاقي.
موقف طوم ريغان Tom Regan (1938 - 2017)
ينطلق ريغان من هذا التناقض بالذات ليبني نقده. يُلاحظ أن الوجدان الأخلاقي الإنساني يرفض بداهةً معاملةَ الرضيع أو ذي الإعاقة العقلية كوسيلة، رغم افتقارهما إلى العقلانية الكانطية. يكشف هذا التناقض أن معيار العقل ليس الأساس الحقيقي للاحترام الأخلاقي، بل مجرد خاصية قد يفتقر إليها بعض من لا خلاف في كرامتهم. يقترح ريغان معياراً بديلاً يسميه "الذات الحية" — أي كل كائن واعٍ يمتلك مشاعر وذاكرة ورغبات ومصلحة ذاتية في الاستمرار وتجنب المعاناة. يقول في حقوق الحيوان:
"أولئك الذين يريدون حصر المركز الأخلاقي في الكائنات العاقلة وحدها، عليهم أن يواجهوا حالة الرضع والأشخاص ذوي الإعاقات العقلية الشديدة... الأساس الحقيقي للاحترام الأخلاقي لا يكمن في العقل، بل في كون الكائن ذاتاً لحياة — كائناً واعياً، لديه معتقدات ورغبات وذاكرة، وتكون حياته قابلة لأن تسير بشكل جيد أو سيء بالنسبة له."²
تتجلَّى قيمة هذا الطرح في إنقاذه مبدأ الكرامة من التناقض الداخلي الذي يعانيه الموقف الكانطي، إذ يُؤسِّس الاحترام الأخلاقي على الوعي والمصلحة الذاتية لا على القدرة العقلية. بيد أن توسيع دائرة الكرامة ليشمل الكائنات الواعية غير البشرية يُفضي إلى إشكاليات عملية عسيرة: كيف توازَن المصالح المتعارضة بين الأنواع المختلفة؟ وما الحد الذي يتوقف عنده هذا التوسيع؟ يصحِّح ريغان قصور كانط، لكنه يفتح في الآن ذاته أسئلة لم تجد إجاباتها النهائية بعد.
الخلاصة التركيبية
يُؤسِّس كانط الكرامة على العقل فيمنحها ثباتاً ومطلقية، لكنه يُضيِّق دائرتها بما لا يتطابق مع حكمنا الأخلاقي الفعلي. يُوسِّع ريغان هذه الدائرة عبر معيار الوعي والمصلحة الذاتية، فيعالج التناقض الداخلي لكنه يفتح إشكاليات جديدة حول حدود الاحترام الأخلاقي وكيفية الموازنة بين مصالح الأنواع.
يكشف هذا التوتر أن سؤال الكرامة لا يُختزل في إجابة واحدة: فالعقل يمنح الكرامة أساساً كونياً صارماً، والوعي يمنحها نطاقاً أكثر اتساقاً مع ضميرنا الأخلاقي. يظل التساؤل مطروحاً: هل يمكن بناء أخلاقيات إنسانية كونية دون الاختيار الحاسم بين هذين المعيارين؟
المراجع
¹ Kant, E. (1785). Fondement de la métaphysique des mœurs (Deuxième section). Gallimard.
² Regan, T. (2015). Les droits des animaux (C. Rognon, Trad.; Chapitre 7). Éditions Hermann.