العنف في التاريخ

في عام 1994، في غضون مئة يوم فقط، قُتل ما يزيد على ثمانمئة ألف شخص في رواندا — أغلبهم بالمناجل والهراوات على أيدي جيرانهم. لم تكن حرباً بين جيوش ولا صراعاً على موارد نفطية. كان الجيران يقتلون جيرانهم، والأصدقاء يقتلون أصدقاءهم، والأزواج أحياناً يقتلون أزواجهم من الجنسية المختلفة.

يواجه هذا المشهد المُروِّع أي تفسير أحادي للعنف: هل كان صراعاً طبقياً على وسائل الإنتاج؟ جزئياً ربما — لكن الفقراء قتلوا الفقراء. هل كانت عدوى رغبة محاكية حين صار القتل يبدو "طبيعياً" حين يفعله الجميع؟ ربما — لكن الإذاعة كانت تُسمي الضحايا بالاسم وتحث على قتلهم. لماذا يمتلئ التاريخ بهذه الصفحات الدامية — هل العنف نابع من صراع هيكلي على الموارد والسلطة، أم من ديناميكية نفسية في صميم الرغبة الإنسانية ذاتها؟

موقف كارل ماركس Karl Marx (1818 - 1883)

يُقدِّم ماركس تفسيراً مادياً جذرياً: محرك التاريخ ليس الأفكار ولا الغرائز بل الصراع الطبقي الناجم عن التناقض بين من يملكون وسائل الإنتاج ومن لا يملكون إلا قوة عملهم. العنف ليس انحرافاً بل نتيجة حتمية لهياكل اقتصادية ظالمة تبني هيمنتها على الاستغلال. يقول في البيان الشيوعي:

"إن تاريخ كل مجتمع موجود حتى الآن هو تاريخ الصراعات الطبقية... العصر البرجوازي الحديث لم يلغِ الصراع الطبقي، بل أسسه بشكل جديد، مقسماً المجتمع إلى معسكرين متعارضين: البرجوازية والبروليتاريا. إن البروليتاريا التي لا تملك سوى قوة عملها مضطرة لبيع هذه القوة كسلعة، بينما تملك البرجوازية وسائل الإنتاج وتستغل عمل البروليتاريا لتراكم رأس المال."¹

تتمثَّل قيمة هذا الموقف في كشفه لما يخفيه خطاب السلام في الغالب — فالاستعمار الأوروبي لم يكن مجرد فكرة بل كان مدفوعاً بمصالح اقتصادية صريحة، وكثير من حروب القرن العشرين كانت في جوهرها صراعات على الموارد والأسواق. غير أن الإبادة الرواندية تكشف حدوده: الهوتو والتوتسي لم يكونوا طبقتَين اقتصاديتَين بالمعنى الدقيق — كان الصراع يحمل أبعاداً هوياتية ونفسية لا يفسرها الاقتصاد وحده.

موقف رونيه جيرار René Girard (1923 - 2015)

يقترح جيرار مفتاحاً مختلفاً: الرغبة الإنسانية ليست مستقلة بل محاكية — نرغب في ما يرغب فيه الآخرون. حين يتجه الجميع نحو الموضوع ذاته تنشأ المنافسة ثم الصراع، ويحل المجتمع هذه الأزمة بتوجيه العنف الجماعي نحو ضحية واحدة — "الكبش الفدائي" — لاستعادة التوازن. يقول في أشياء مخفية منذ تأسيس العالم:

"الرغبة الإنسانية ليست مستقلة، بل هي محاكية في جوهرها. نحن لا نرغب في الأشياء لذاتها، بل لأن الآخرين يرغبون فيها... عندما يتجه الجميع نحو نفس الموضوع تتحول الرغبة إلى منافسة ثم إلى صراع. هذه الديناميكية تؤدي إلى أزمة، والمجتمع يحل هذه الأزمة من خلال آلية الكبش الفدائي، حيث يتم توجيه العنف الجماعي نحو ضحية واحدة لاستعادة السلام الاجتماعي."²

تتجلَّى قيمة هذا الموقف في تفسيره لما يعجز ماركس عن تفسيره: في رواندا لم يكن ثمة مصلحة اقتصادية واضحة للقتل — لكن حين بدأ الجيران يرون جيرانهم يقتلون صار القتل "طبيعياً"، وصار التردد فيه هو الشذوذ. آلية الكبش الفدائي كانت حاضرة بوضوح: توجيه توتر اجتماعي متراكم نحو مجموعة محددة لاستعادة وحدة مزيَّفة. غير أن اختزال كل عنف في ديناميكية الرغبة المحاكية وحدها يُغفل السياقات السياسية والتحريض المنظَّم الذي سبق المجزرة.

الخلاصة التركيبية:


يكشف ماركس الجذور المادية والهيكلية للعنف التاريخي فيمنح التحليل عمقاً اقتصادياً وأفقاً للتغيير المؤسسي، لكنه يختزل التعقيد الإنساني في بُعد واحد. يكشف جيرار الآليات النفسية التي تجعل العنف يتكاثر كالعدوى في المجتمعات، لكنه يُبالغ في التعميم متجاهلاً دور القرارات السياسية المتعمدة.

تُظهر رواندا أن التفسيرَين معاً ضروريان وغير كافيَين: كانت هناك هياكل استعمارية أسست التمييز وكرَّسته، وكانت هناك آلية محاكاة جعلت العنف يتضاعف حين أصبح المعيار السائد. لكن كان أيضاً قرار سياسي واعٍ بالتحريض — مما يُذكِّر بأن العنف ليس دائماً حتمية هيكلية ولا انفجاراً غريزياً، بل هو أحياناً اختيار. يظل التساؤل مطروحاً: إذا كان العنف ينبع من الهياكل والغرائز والاختيار معاً، فأين يبدأ المسؤول وأين تنتهي الحتمية؟

المراجع

¹ Marx, K., & Engels, F. (1848). Manifeste du Parti communiste. Éditions Gallimard.

² Girard, R. (1978). Des choses cachées depuis la fondation du monde. Éditions Grasset.