أشكال العنف

التمهيد

في عام 1954، وقّعت فرنسا على اتفاقية جنيف التي أنهت حرب الهند الصينية — لكن الحرب الحقيقية لم تنتهِ. انتقل الصراع إلى الجزائر، وفي العقد ذاته كانت المدارس الفرنسية في شمال أفريقيا تُعلِّم الأطفال الجزائريين أن أجدادهم "الغاليون" كانوا شعباً أشقر أبيض — لغة المستعمِر كانت هي اللغة المشروعة، وتاريخه هو التاريخ الوحيد، وثقافته هي المعيار الذي يقاس عليه كل شيء.

كان الجنود الفرنسيون يُمارسون عنفاً مادياً مرئياً — لكن المعلمين كانوا يُمارسون عنفاً أعمق وأكثر استدامة: عنفاً يجعل المُستعمَر يُشكِّك في لغته وهويته وتاريخه، بل يرى في ذلك تحضُّراً لا تدميراً. لم يُطلق أحد رصاصة — لكن الفعل كان عنيفاً بامتياز. ما أشكال العنف التي يتجسد بها في السياق الإنساني والاجتماعي — هل يقتصر على صورته المادية الجسدية أم يتسع ليشمل الأبعاد الرمزية والأيديولوجية؟

موقف إيف ميشو Yves Michaud (1944 - )

يُعرِّف ميشو العنف المادي بأنه كل فعل يستهدف السلامة الجسدية للفرد بالقوة — من الضرب والتعذيب إلى الإبادة والحرمان من وسائل البقاء. وأخطر أشكاله عنده هو العنف المؤسسي المنظَّم الذي تمارسه أجهزة الدولة تحت غطاء الشرعية القانونية. يقول في العنف:

"يمكن تعريف العنف المادي بأنه كل فعل يهدف، من خلال استعمال القوة، إلى إلحاق الأذى بالسلامة الجسدية للفرد أو إلى تدميره... العنف المادي يمكن أن يمارس من قبل أفراد، لكن أخطر أشكاله هو العنف المؤسسي المنظم، الذي تمارسه أجهزة الدولة تحت غطاء الشرعية القانونية."¹

تتمثَّل قيمة هذا الموقف في إضاءته للشكل الأكثر وضوحاً وقابلية للمحاسبة من أشكال العنف — الجنود الفرنسيون في الجزائر كانوا يمارسون ما يصفه ميشو بدقة. غير أن التركيز على العنف المرئي يتجاهل أن الاستعمار استمر في عقول الناس بعد انسحاب الجنود بعقود.

موقف بيير بورديو Pierre Bourdieu (1930 - 2002) وجون كلود باسرون Jean-Claude Passeron (1930 - )

يكشف بورديو وباسرون عن شكل آخر من العنف لا يترك أثراً مادياً — العنف الرمزي الذي يفرض فيه المهيمنون معاييرهم الثقافية عبر مؤسسات كالتعليم والإعلام، فيتقبَّلها المهيمَن عليهم بوصفها حقائق طبيعية لا قمعاً مفروضاً. خطورته أنه لا يحتاج إلى قوة لأن الضحية تُسهم في إنتاجه. يقول بورديو في إعادة الإنتاج:

"العنف الرمزي هو ذلك العنف الذي يمارس بشكل غير مرئي، من خلال آليات الإقناع الخفي التي تفرضها البنى الاجتماعية... يتحقق عندما تُفرض التصنيفات والتمثلات التي تنتجها الفئات المهيمنة، ويتم تبنيها من قبل المهيمَن عليهم، فيصبح النظام الاجتماعي القائم طبيعياً ومشروعاً في أعين الجميع."²

تتجلَّى قيمة هذا الموقف في تفسيره لما فعلته المدارس الفرنسية في الجزائر — لم تكن تُعلِّم فحسب بل كانت تُقنع الأطفال بأن ثقافتهم أدنى، وهو ما لا يستطيع ميشو تفسيره بأدواته. غير أن صعوبة إثبات هذا العنف غير الملموس قد تُبالغ في تصوير المهيمَن عليهم ضحايا سلبيين متجاهلةً قدرتهم على المقاومة.

الخلاصة التركيبية:


يُضيء ميشو الشكل المرئي المباشر للعنف فيجعله قابلاً للمحاسبة القانونية والأخلاقية، لكنه يقف عند حدود ما تستطيع العين رؤيته. يكشف بورديو وباسرون الشكل الخفي الأكثر استدامة فيفتح أعيننا على هيمنة تعمل دون إطلاق رصاصة واحدة، لكنه يواجه صعوبة في تحديد حدوده وإثبات وجوده بدقة.

يكشف مثال الاستعمار الفرنسي في الجزائر أن الشكلَين يعملان معاً في منظومة واحدة: العنف المادي يُخضع الأجساد والعنف الرمزي يُخضع العقول — وحين ينسحب الأول يبقى الثاني يعمل في صمت. يظل التساؤل مطروحاً: حين يُصبح العنف رمزياً غير مرئي، كيف يُميِّز المجتمع بين الهيمنة التي يجب مقاومتها والتأثير الثقافي الطبيعي الذي يُغني التنوع الإنساني؟

المراجع

¹ Michaud, Y. (1986). La violence. Presses Universitaires de France.

² Bourdieu, P., & Passeron, J.-C. (1970). La reproduction : Éléments pour une théorie du système d'enseignement. Éditions de Minuit.