التمهيد
في عام 1955، رفضت روزا باركس، المواطنة الأمريكية السوداء البشرة، في مدينة مونتغومري التنازل عن مقعدها في الحافلة لراكب أبيض — مخالِفةً قانوناً ساري المفعول، صادراً عن سلطة شرعية، مطبَّقاً بانتظام. اعتُقلت وفق الإجراءات القانونية الصحيحة. كان الفعل مجرَّماً من الناحية الشرعية — لكن هل كان مجرَّماً من الناحية الأخلاقية؟
المفارقة أن القانون الذي أُدينت بموجبه ألغي بعد أشهر، وأن من أدانها نُسي التاريخ اسمه، بينما صارت هي رمزاً للكرامة الإنسانية. كشف فعلها عن هوّة لا يستطيع القانون الوضعي وحده ردمها: الهوّة بين ما هو شرعي وما هو مشروع، بين ما يسمح به القانون وما تأذن به العدالة. ما العلاقة بين القانون الوضعي والعدالة الأخلاقية — هل يستمد القانون مشروعيته من مطابقته للعدالة، أم أن العدالة ذاتها تتحدد بما يُقرِّره القانون؟

موقف باروخ سبينوزا Baruch Spinoza (1632 - 1677)
يُقرِّب سبينوزا العدالة من الواقع الاجتماعي: القانون العادل ليس ذلك الذي يطابق مبدأً طبيعياً مجرداً، بل ذلك الذي يخدم المصلحة المشتركة ويحمي حرية الأفراد في تطوير أذهانهم وأجسادهم. الدولة لا تستمد شرعيتها من القوة وحدها بل من قدرتها على تنظيم الحياة المشتركة بشكل عادل — والقانون الذي يخدم الحكام وحدهم يفقد هذه الشرعية. يقول في الرسالة اللاهوتية السياسية:
"الغرض من الدولة ليس تحويل البشر من كائنات عاقلة إلى حيوانات أو آلات، بل تمكينهم من تطوير أذهانهم وأجسادهم بأمان... العدالة تتحقق عندما يخدم القانون المصلحة المشتركة للجميع، لا مصلحة الحكام وحدهم."¹
تتمثَّل قيمة هذا الموقف في واقعيته — فقانون الفصل العنصري في مونتغومري لم يكن يخدم المصلحة المشتركة للجميع بل مصلحة فئة واحدة، وهذا ما جعله فاقداً للمشروعية بمعيار سبينوزا. غير أن تحديد "المصلحة المشتركة" يظل مثاراً للخلاف ويمكن توظيفه لتبرير تضييق حقوق الأقليات باسم مصلحة الأغلبية.
موقف هنري دافيد ثورو Henry David Thoreau (1817 - 1862)
يذهب ثورو إلى النتيجة العملية المباشرة: حين يتعارض القانون مع العدالة فالواجب الأخلاقي هو العصيان لا الطاعة. الإنسان مواطن لكنه إنسان أولاً، وضميره الأخلاقي يعلو على القانون المكتوب. أي قانون يجعله وكيلاً للظلم ضد الآخرين هو قانون لا يستحق الطاعة. يقول في العصيان المدني:
"يجب على المرء أن يكون إنساناً قبل أن يكون مواطناً... أي قانون يجعلك وكيلاً للظلم هو قانون ظالم. الواجب هو مقاومة الظلم وليس دعمه... الطاعة العمياء للقانون الظالم هي مشاركة في الظلم."²
تتجلَّى قيمة هذا الموقف في تفسيره لروزا باركس تحديداً — لم تكن تنتظر تعديل القانون بل رفضته فعلياً لأن ضميرها رفضه. وقد أثبت التاريخ أنها كانت محقَّة. غير أن منح كل فرد حق تقييم القوانين واختيار ما يطيعه منها يُهدِّد بفوضى يستطيع كل صاحب هوى أن يُسوِّغ بها عصيانه.
الخلاصة التركيبية:
يربط سبينوزا مشروعية القانون بوظيفته في خدمة الجميع فيمنحه معياراً اجتماعياً قابلاً للتحقق، لكنه يُخاطر بتذويب حقوق الأقليات في مصلحة الأغلبية. يدعو ثورو إلى تحكيم الضمير الفردي فيُعيد للإنسان كرامته الأخلاقية لكنه يُخاطر بفوضى قد تُسقط كل نظام.
يكشف مثال روزا باركس أن الموقفَين معاً كانا حاضرَين في لحظة واحدة: كان وراءها منطق سبينوزا — قانون لا يخدم الجميع يفقد شرعيته، وجرأة ثورو — الضمير يأمر بالعصيان حين يأمر القانون بالظلم. يظل التساؤل مطروحاً: كيف نُميِّز بين العصيان المدني الأخلاقي الذي يُصحِّح القانون وبين الفوضى التي تُسقطه؟
المراجع
¹ Spinoza, B. (1670). Traité théologico-politique. Éditions Gallimard.
² Thoreau, H. D. (1849). La désobéissance civile. Éditions Gallimard.