التمهيد
في عام 1944، كان الضابط الألماني كلاوس فون شتاوفنبرغ يعلم أن اغتيال هتلر سيكلِّفه حياته. كان يعلم أيضاً أنه يخالف قسمه العسكري وولاءه للدولة — كل ما رسَّخته فيه التنشئة والنظام والمؤسسة. ومع ذلك وضع القنبلة. في اللحظة ذاتها، كان آلاف الضباط الآخرين يُنفِّذون أوامر الإبادة دون تردد — مستندين إلى الواجب ذاته: الطاعة والولاء للدولة.
يكشف هذا التعارض عن سؤال لا يهدأ: كلا الرجلَين كان "يؤدي واجبه" — لكن أيهما كان يعمل بأخلاق حقيقية؟ شتاوفنبرغ اتبع صوتاً داخلياً يعلو على الأوامر — لكن هذا الصوت نفسه تشكَّل في ثقافة وتاريخ وظروف لم يخترها. هل الواجب الأخلاقي التزام ذاتي حر نابع من الضمير والإرادة العقلانية، أم إكراه موضوعي تفرضه البنية الاجتماعية والظروف المادية؟

موقف إيمانويل كانط Emmanuel Kant (1724 - 1804)
يُؤسِّس كانط الأخلاق على الاستقلالية العقلية: الواجب الحقيقي لا يستمد سلطته من أي خوف أو مكافأة أو ضغط خارجي، بل ينبثق من إرادة حرة تشرِّع لنفسها قانوناً أخلاقياً كونياً. المعيار هو "الأمر المطلق": تصرَّف وفق المبدأ الذي تريده قانوناً كونياً. الفعل الأخلاقي يتم لذاته لا لنتيجة — وهذا ما يمنحه قيمته المطلقة. يقول في أساس ميتافيزيقا الأخلاق:
"تصرف بحيث تكون القاعدة التي تتبعها في تصرفك قادرة بأن تصبح قانوناً عاماً يسري على جميع الكائنات العاقلة... لا تتصرف بدافع المصلحة أو الرغبة، بل بدافع الواجب الخالص. الأخلاق الحقيقية تكمن في الطاعة الحرة للقانون الأخلاقي الذي يضعه عقلك، لا في الخوف من العقاب أو الرغبة في المكافأة."¹
تتمثَّل قيمة هذا الموقف في تفسيره لشتاوفنبرغ: لم يكن يخاف ولم يكن يطمع — كان يتبع ما أملاه عليه عقله كقانون كوني لا يقبل الاستثناء. لكن الأطروحة تواجه حدّها حين نسأل: كيف يتشكَّل هذا "العقل الخالص" ذاته دون أن تلوّنه التنشئة والثقافة والتاريخ؟

موقف فريديريك إنجلز Friedrich Engels (1820 - 1895)
يقلب إنجلز المعادلة: ما يبدو واجباً أخلاقياً كونياً ليس سوى انعكاس للشروط المادية والطبقية لعصر بعينه. لا وجود لأخلاق مجردة فوق التاريخ — ما كان فضيلة في المجتمع الإقطاعي قد يصبح رذيلة في المجتمع الرأسمالي، والعكس. الواجب الأخلاقي أداة في الصراع الطبقي تُبرِّر هيمنة الطبقة المسيطرة. يقول في أصل الأسرة والملكية الخاصة والدولة:
"إن الأخلاق السائدة في أي مجتمع هي في النهاية نتاج الظروف الاقتصادية لذلك المجتمع... ما نعتبره اليوم واجباً أخلاقياً هو في الحقيقة تعبير عن مصالح طبقة مهيمنة في فترة تاريخية معينة. فالأخلاق ليست مجموعة من المبادئ المجردة، بل هي أداة في الصراع الطبقي، تبرر وتعزز هيمنة الطبقة الحاكمة."²
تتجلَّى قيمة هذا الموقف في تفسيره للضباط الذين نفَّذوا أوامر الإبادة — لم يكونوا وحوشاً بالضرورة بل أناساً شكَّلتهم منظومة أيديولوجية وطبقية جعلت الإبادة "واجباً". غير أن نسبية الأخلاق المطلقة عند إنجلز تطرح تحدياً خطيراً: إذا كان كل واجب نتاج مصلحة طبقية، فبأي معيار نحكم على أن النازية كانت شراً؟
الخلاصة التركيبية:
يُؤسِّس كانط الواجب على الإرادة الحرة العقلانية فيمنح الأخلاق كونيةً وكرامة لكنه يتجاهل كيف تتشكَّل هذه الإرادة في سياق اجتماعي وتاريخي. يكشف إنجلز الجذور المادية للقناعات الأخلاقية فيفضح زيف الأخلاق المُقنَّعة بالكونية لكنه ينزلق إلى نسبية قد تُفقد الأخلاق أي معيار ثابت.
يكشف التعارض بين شتاوفنبرغ والضباط المطيعين أن الحقيقة مركَّبة: الواجب يتشكَّل اجتماعياً كما يقول إنجلز — لكن ثمة لحظات يتجاوز فيها الإنسان ما شُكِّل فيه ويختار خلافه، وهو ما يُبقي مفهوم كانط ضرورياً. يظل التساؤل مطروحاً: إذا كان الضمير نفسه نتاج اجتماعي — فمن أين تأتي تلك اللحظة النادرة التي يتمرد فيها الإنسان على ما شكَّله ويقول "لا"؟
المراجع
¹ Kant, E. (1785). Fondation de la métaphysique des mœurs. Éditions Gallimard.
² Engels, F. (1950). L'origine de la famille, de la propriété privée et de l'État. Éditions Sociales.