الحرية والقانون

في عام 1789، رفع الفرنسيون شعار "الحرية، المساواة، الإخاء" وهدموا سجن الباستيل رمزاً لانطلاقهم من كل قيد. لكن في غضون أشهر قليلة، سنَّت الجمعية التأسيسية مئات القوانين الجديدة — قوانين تحكم الصحافة والتجمع والتجارة والملكية. وحين احتج بعضهم: "ألم نثُر لنتحرر من القوانين؟" أجاب روبسبير بما صار مثلاً فلسفياً: "حرية كل شيء هي عبودية الجميع."

المفارقة أن الثورة التي أُطلقت باسم الحرية أنتجت قوانين أكثر مما أسقطت — لأن الثوار اكتشفوا أن حرية بلا قانون لم تكن حرية بل فوضى يستبد فيها الأقوى. هل تتعارض الحرية مع القانون فيكون القانون قيداً يُقلِّصها، أم أن القانون شرط ضروري لوجود الحرية وتحقيقها بشكل مستدام في المجتمع؟

موقف مونتسكيو Montesquieu (1689 - 1755)

يؤسِّس مونتسكيو لتعريف دقيق: الحرية ليست فعل ما تشاء بل الحق في فعل ما يُجيزه القانون. فالحرية المطلقة التي لا يحدُّها قانون ليست حرية بل فوضى — لأن منح كل فرد سلطة غير محدودة يعني منح الجميع نفس السلطة فيتصادمون. القانون لا يحدُّ الحرية بل يُوزِّعها بين الجميع بعدل. يقول في روح القوانين:

"الحرية هي الحق في فعل كل ما تسمح به القوانين. فلو استطاع مواطن أن يفعل ما تُحرِّمه هذه القوانين، لما كانت له حرية، لأن الآخرين سيكون لهم نفس القدرة... يجب أن يفهم كل واحد كيف يعيش في حرية، وفي الوقت نفسه يترك للآخرين حرية مثل حريته."¹

تتمثَّل قيمة هذا الموقف في تفسيره لما اكتشفه الثوار الفرنسيون: حين سقطت قوانين النظام القديم دون أن تحلَّ محلها قوانين جديدة فوراً، لم تتسع الحرية بل ضاقت — إذ سيطر الأقوى على الأضعف. غير أن مونتسكيو يفترض ضمنياً أن القوانين عادلة — وهو افتراض تُكذِّبه التجربة حين يكون القانون نفسه أداة طبقة مسيطرة.

موقف حنا أرندت Hannah Arendt (1906 - 1975)

تُعمِّق أرندت التحليل بمفهوم "المجال العام" — الفضاء المشترك الذي يُتيح للناس التحدث والفعل والمشاركة معاً. القانون لا يحدُّ الحرية بل يُنشئ هذا الفضاء ويحميه — فبدونه لا يتسع المجال بل يختفي، ويتراجع الناس إلى الانعزال والصمت. الاستبداد الحقيقي عندها ليس كثرة القوانين بل محو المجال العام. تقول في الوضع الإنساني:

"الحرية لا تتحقق في الفراغ، بل في الفضاء العام الذي ينشئه القانون... القانون لا يقيد الحرية، بل يخلق المساحة التي يمكن أن توجد فيها. عندما نشارك في صياغة القوانين، فإننا لا نحد من حريتنا، بل نوسِّعها من خلال خلق عالم مشترك يمكننا فيه التحرك والتحدث والفعل بحرية. الاستبداد الحقيقي ليس في وجود القوانين، بل في اختفاء الفضاء العام حيث يمكن للحرية أن تظهر."²

تتجلَّى قيمة هذا الموقف في تفسيره لما حدث في المراحل الأولى من الثورة الفرنسية حين أُفرغت مؤسسات النقاش العام: حين صمتت الصحافة وتوقفت الجمعيات وانعقدت المحاكم خلف أبواب موصدة، لم تتحرر الحرية بل اختنقت. غير أن الأطروحة تواجه سؤالاً: ماذا حين تكون القوانين ذاتها هي ما يمحو المجال العام؟

الخلاصة التركيبية

يُعرِّف مونتسكيو الحرية بالقانون فيجعله ضامنها لا عدوَّها، لكنه يفترض ضمنياً عدالة القانون. تُعمِّق أرندت بربطها الحرية بالمجال العام الذي يُنشئه القانون، لكنها تواجه مأزقاً حين يكون القانون ذاته هو المُقيِّد.

يكشف المثال الفرنسي أن الثوار لم يُخطئوا في هدم القوانين الظالمة — لكنهم اكتشفوا أن الحرية بلا قانون جديد فوضى لا تختلف عن الاستبداد. المسألة إذن ليست القانون أم لا — بل أيُّ قانون، ومَن صاغه، ولصالح مَن. يظل التساؤل مطروحاً: حين يكون المواطنون هم صُنَّاع القانون لا خاضعيه فحسب — هل تتحوَّل العلاقة بين الحرية والقانون من تناقض إلى تكامل؟

المراجع

¹ Montesquieu. (1748). De l'esprit des lois. Éditions Gallimard.

² Arendt, H. (1961). Condition de l'homme moderne. Éditions Calmann-Lévy.