النص
يُعدّ الشغل نشاطاً أساسياً في الحياة، لكنه يختلف جوهرياً بين الإنسان والحيوان. فالنشاط الحيواني محكوم بالغريزة والضرورة البيولوجية المباشرة، ويكون متكرراً لا يُحدث تغييراً في البيئة أو الأدوات، ويهدف فقط إلى إشباع حاجات فورية. على النقيض من ذلك يتجاوز الشغل الإنساني هذه الحدود ليصبح ظاهرة واعية ومعقدة. فالإنسان يعمل بدافع الوعي والغاية المسبقة، حيث يتصور النتيجة ويُخطط للعمل قبل تنفيذه. كما أن الشغل الإنساني ليس مجرد تكيّف مع الطبيعة بل هو تحويل لها وتغيير فيها لتناسب حاجاته المتجددة.
وبسبب طابعه الاجتماعي والتاريخي فإن الشغل الإنساني يتراكم عبر الأجيال ليُشكّل أساس الحضارة والثقافة. غير أن هذا الشغل الذي كان مصدر تحرر الإنسان وتميّزه قد يتحول في ظروف معينة إلى عبء يُثقل كاهله ويُفقده إنسانيته. فحين يُكره الإنسان على عمل لا يختاره ولا يرى في نتاجه أثراً لذاته، يصبح الشغل اغتراباً لا تحرراً. فهل الشغل في جوهره تعبير عن حرية الإنسان وإبداعه، أم يمكن أن يتحول إلى قيد يُنكر عليه ذاته؟
حلل وناقش
مقترح التصحيح
أولاً — الفهم (4 نقط)
تحديد موضوع النص (1 ن)
يتناول النص مفهوم الشغل الإنساني وخصوصيته مقارنةً بالنشاط الحيواني، ليطرح إشكالية أعمق حول ما إذا كان الشغل تعبيراً عن حرية الإنسان وإبداعه أم يمكن أن يتحول إلى شكل من أشكال الاغتراب.
صياغة المفارقة والإشكال (2 ن)
تكمن المفارقة في أن الشغل الذي يُعدّ أسمى ما يُميّز الإنسان عن الحيوان ويُؤسس حضارته قد يتحول في ظروف معينة إلى قيد يُفقده إنسانيته ويُغرّبه عن ذاته. ومن هنا يبرز الإشكال: هل الشغل في جوهره تجليٌ لحرية الإنسان ووعيه وقدرته على تحويل الطبيعة، أم أنه قد يُصبح وسيلة لاستلابه وتحويله من غاية إلى أداة؟
صياغة الأسئلة الموجهة (1 ن)
ما الشغل؟ وما الذي يُميّزه عن النشاط الغريزي للحيوان؟ وما معنى الاغتراب في العمل؟ وهل يمكن للشغل أن يكون في الوقت نفسه مصدر تحرر ومصدر قيد؟
ثانياً — التحليل (5 نقط)
استخراج الأطروحة وشرحها (2 ن)
يرى صاحب النص أن الشغل الإنساني يختلف جوهرياً عن النشاط الحيواني لأنه فعل واعٍ تسبق فيه الفكرةُ التنفيذَ ويُحوّل الطبيعة بدل الاكتفاء بالتكيف معها، وأنه يتراكم عبر الأجيال ليُؤسس الحضارة. لكن هذا الشغل ذاته قد ينقلب إلى اغتراب حين يُفصل الإنسان عن نتاج عمله ويُكره على ما لا يختاره.
تحليل الأفكار والمفاهيم والعلاقات بينها (2 ن)
يتضمن النص ثلاثة مفاهيم متشابكة. النشاط الغريزي الذي يصف الحد الأدنى من الفعل المحكوم بالضرورة البيولوجية دون وعي أو تخطيط. والشغل الإنساني الواعي الذي يتجاوز الضرورة بالتصوّر والتخطيط والتحويل والتراكم الحضاري. والاغتراب الذي يصف تحوّل الشغل من فعل حرية إلى قيد حين تُستلب من الإنسان القدرة على الاختيار والتعرف على ذاته في نتاج عمله. وتجمع هذه المفاهيم علاقة جدلية تكشف أن الشغل طاقة إنسانية ذات وجهين يتحدد أيهما بالظروف التي يتم فيها.
تحليل البنية الحجاجية (1 ن)
اعتمد النص بنية مقارنة تفاضلية تبدأ بالتمييز بين الشغل الحيواني والإنساني، ثم تكشف الطابع المزدوج للشغل الإنساني بوصفه مصدر تحرر ومصدر اغتراب محتمل، وتنتهي بسؤال فلسفي مفتوح.
ثالثاً — المناقشة (5 نقط)
إبراز قيمة الأطروحة وحدودها (3 ن)
قيمة الأطروحة تكمن في ربطها الشغل بالوعي والحرية والحضارة مما يرفع من قيمة العمل الإنساني ويجعله أساس الكرامة والهوية. كما أنها لا تكتفي بالمدح بل تتجرأ على طرح إمكانية الاغتراب مما يجعل تحليلها أكثر نزاهة وواقعية.
غير أنها تواجه حدوداً. فالفصل المطلق بين الشغل الإنساني والنشاط الحيواني يتعرض لتحديات من علم الحيوان الذي يُثبت أن بعض الحيوانات العليا تستخدم الأدوات وتُعدّلها. كما أن كثيراً من الأعمال الإنسانية المعاصرة أصبحت رتيبة وآلية مما يُضيّق الفجوة في الواقع بين الإنسان والآلة.
الانفتاح على إمكانات أخرى للتفكير (2 ن)
يُقبل كل موقف فلسفي مدروس مربوط بالإشكالية، من بينها الموقف الذي يرى أن الشغل في النظام الرأسمالي يتحول حتماً إلى اغتراب لأن العامل يُفصل عن نتاج عمله ويُباع وقته كبضاعة فيصبح الشغل استلاباً للإنسانية لا تعبيراً عنها. ومن بينها أيضاً الموقف الذي يرى أن تحرير الشغل من الاغتراب لا يكون برفضه بل بإعادة تنظيمه بما يُعيد للإنسان القدرة على الاختيار والإبداع والتعرف على ذاته في ما ينتجه.
رابعاً — التركيب (3 نقط)
كشف النص عن الطبيعة المزدوجة للشغل الإنساني بوصفه قوة تحرر وإبداع وحضارة، وفي الوقت نفسه مساحة محتملة للاغتراب والاستلاب. وتبقى قيمته في أنه لا يُقدّم الشغل كمجرد ضرورة بيولوجية ولا كقيمة مطلقة. والأجدر فلسفياً هو القول بأن الشغل يكون إنسانياً حقاً حين يُبقي للإنسان حرية التصوّر والاختيار والتعرف على ذاته فيما يصنع، وحين يُفقد هذه الحرية يصبح أداةً تُنكر الإنسانية بدل أن تُعبّر عنها.
الجوانب الشكلية (3 نقط): تماسك العرض، سلامة اللغة، وضوح الخط وعلامات الترقيم.
¹ ماركس، كارل. (1844). المخطوطات الاقتصادية والفلسفية. ترجمة محمد مستجير مصطفى. دار الثقافة الجديدة، القاهرة، 1974.