
التمهيد
في عام 1827 بدأ الرسام الياباني كاتسوشيكا هوكوساي العمل على سلسلة لوحاته الشهيرة ستة وثلاثون منظراً لجبل فوجي. كان في السبعين من عمره. رسم الجبل نفسه ستة وثلاثين مرة من زوايا مختلفة وفي أحوال مناخية مختلفة. في إحدى اللوحات يظهر الجبل صغيراً في الخلفية بينما تعلو في المقدمة موجة عاتية تكاد تبتلع القوارب. الجبل لم يتغير. الموجة لم تبقَ. لكن هوكوساي جمعهما في لحظة واحدة لا وجود لها في الطبيعة.
لم يرسم هوكوساي ما رآه. رسم ما شعر به وهو ينظر. الموجة ليست موجة بعينها والجبل ليس جبلاً بعينه. هما معاً صورة داخلية لإنسان يتأمل الزوال والثبات والخوف والجمال في آنٍ واحد. ومع ذلك حين ننظر إلى هذه اللوحة نشعر بشيء يشبه ما شعر به هوكوساي قبل قرنين، وهو لا يزال يرسم ولا نحن نعرفه شخصياً.
يُعتبر الفن ظاهرة إنسانية فريدة تمثل إحدى أعلى صور الإبداع والإنتاج الرمزي.¹ لكن لوحة هوكوساي تطرح سؤالاً لا تكفيه تعريفات: هل ما يجعلها فناً هو ما يعيشه الفنان في الداخل حين يخلقها؟ أم هو ما يعيشه المتلقي حين يتلقاها؟ هل الفن نشاط إبداعي يهدف إلى التواصل الإنساني عبر نقل المشاعر والتجارب؟ أم أنه في جوهره حدس داخلي وتعبير فردي يسبق كل اعتبار اجتماعي؟

موقف ليون تولستوي Léon Tolstoï (1828 - 1910)
لا يرى تولستوي في الفن بحثاً عن الجمال ولا لعبة شكلية بل يراه في جوهره فعل اتصال. الفنان يعيش تجربة عاطفية حقيقية ثم يجد الوسيلة التي تجعل هذه التجربة تنتقل إلى الآخرين وتشتعل فيهم. وبقدر ما ينجح في هذا النقل يكون الفن حقيقياً وعظيماً.
هوكوساي حين رسم موجته لم يكن يُوثّق منظراً طبيعياً بل كان يُجسّد شعوراً داخلياً يريد أن يجعله مشتركاً. والمتلقي الذي يشعر بشيء حقيقي أمام هذه اللوحة لا يشعر بجمالها الشكلي فحسب بل يشعر باللحظة التي عاشها هوكوساي ويصبح شريكاً فيها. هذا الاتحاد الوجداني هو ما يُسميه تولستوي جوهر الفن. والفن الذي لا يُنتج هذا الاتحاد مهما كان محكم الصنعة ومعقد الشكل ليس فناً حقيقياً في نظره.
يقول تولستوي في ما هو الفن؟: "الفن ليس متعة بل هو وسيلة اتصال بين البشر. إنه أداة للتواصل تجعل المشاعر والأحاسيس التي يعيشها شخص واحد ملكاً للآخرين. الفن الحقيقي هو الذي يوحد الناس ويجعلهم يشعرون بالاتحاد مع الفنان ومع بعضهم البعض. عندما نقرأ قصة أو نستمع إلى موسيقى أو ننظر إلى لوحة فإننا لا نبحث عن الجمال فقط بل عن تلك الرابطة الإنسانية التي تربطنا بالفنان وبكل من شاركنا هذه التجربة."¹
تكمن قيمة هذه الأطروحة في تأكيدها الوظيفة التواصلية والاجتماعية للفن حيث يصبح جسراً للمشاعر الإنسانية المشتركة وأداة للتوحد الوجداني بين البشر مما يمنح الفن شرعيته الأخلاقية والاجتماعية. وتتمثل حدودها في أنها قد تختزل الفن في بعده العاطفي التواصلي متجاهلةً قيمته الجمالية المستقلة وتعقيداته الشكلية التي تظل حاضرة حتى حين لا تُنتج تواصلاً فورياً.
موقف بينيديتو كروتشه Benedetto Croce (1866 - 1952)
لا يُنكر كروتشه أن الفن يُحدث أثراً في المتلقي. لكنه يرى أن هذا الأثر نتيجة لا أصل. الأصل الحقيقي للفن هو اللحظة الداخلية التي يعيشها الفنان حين تتشكل في وعيه صورة لم تكن موجودة من قبل. هوكوساي قبل أن يُمسك الفرشاة كان قد رأى في داخله الموجة والجبل في علاقتهما الفريدة. تلك الرؤية الداخلية هي العمل الفني الحقيقي. أما ما على الورق فهو مجرد آثار خارجية لما اكتمل بالفعل في الروح.
يُسمّي كروتشه هذه اللحظة الحدس التعبيري. وهو يرى أنها نمط أولي من المعرفة يسبق المعرفة العقلية المفاهيمية ويختلف عنها اختلافاً جوهرياً. حين يعرف الإنسان بالمفاهيم يُصنّف ويُعمّم. وحين يعرف بالحدس الفني يُدرك الفردي والخاص في حضوره الحي الذي لا يُختزل في أي تصنيف. ولهذا الفن معرفة لا يُعوّضها العلم ولا الفلسفة.
يقول كروتشه في علم الجمال: "الفن هو حدس تعبيري. إنه ليس فعلاً فيزيائياً بل نشاط داخلي للروح. العمل الفني الحقيقي ليس الحجر المنحوت أو اللوحة المرسومة بل هو الصورة التي تتشكل في عقل الفنان. الفن معرفة حدسية تسبق كل معرفة عقلية وهو تعبير عن انفعال فردي. عندما نخلق فناً لا ننقل مفاهيم بل نعبر عن انطباعاتنا ورؤانا الداخلية. الجمال ليس سوى التعبير الناجح عن الحدس الفردي."²
تعتبر هذه الأطروحة دفاعاً عن استقلالية الفن وسموّه عبر رفع الحدس التعبيري إلى مصدر أولي للمعرفة حيث يكون العمل الفني تعبيراً عن رؤية داخلية فريدة تسبق أي اعتبار أخلاقي أو نفعي. وتتمثل حدودها في أن هذه المثالية المجردة قد تفصل الفن عن سياقه الاجتماعي والتاريخي مفتقدةً دوره الحيوي في حياة المجتمعات ومتجاهلةً أن التعبير لا يكتمل إلا حين يجد من يتلقاه.
الخلاصة التركيبية
لوحة هوكوساي معلقة اليوم في متاحف العالم. ملايين البشر ينظرون إليها ويشعرون بشيء. هوكوساي مات عام 1849 ولم يعرف شيئاً عن هؤلاء الملايين. فأين تكمن حقيقة هذا الفن؟
يرى تولستوي أن حقيقة الفن في الجسر الذي يُقيمه بين روح وروح، وأن اللوحة لا تكتمل إلا حين تُشعل في المتلقي ما اشتعل في الفنان. ويرى كروتشه أن حقيقة الفن قد اكتملت في اللحظة الداخلية التي عاشها هوكوساي حين رأى في خياله الموجة والجبل معاً قبل أن تلمس الفرشاة الورق.
يكشف هذا التقابل أن الفن يحمل وجهين لا يلغي أحدهما الآخر: وجه الخلق الداخلي الفردي الذي وصفه كروتشه، ووجه التواصل الإنساني الذي دافع عنه تولستوي. والسؤال الحقيقي ليس أيهما أصح بل أيهما يمنح الفن قيمته الجوهرية.
يظل التساؤل مفتوحاً: هل يكفي أن يعيش الفنان تجربة حدسية عميقة لتكون لها قيمة فنية حتى لو لم يجد من يتلقاها؟ أم أن الفن في جوهره رسالة لا تكتمل إلا بوجود مرسَل إليه؟
المراجع
¹ Tolstoï, L. (1898). Qu'est-ce que l'art ? Éditions Gallimard.
² Croce, B. (1902). Esthétique comme science de l'expression et linguistique générale. Éditions Gallimard.