
التمهيد
في عام 1887 بدأ المهندس غوستاف إيفل بناء برجه الشهير في باريس وفق تصميم رسمه على الورق قبل سنوات. في نفس المدينة، كانت النحل تبني خلاياها السداسية المتقنة بدقة رياضية مذهلة. لكن النحلة ستبني نفس الشكل السداسي في مليون سنة من الآن. أما إيفل فبنى ما لم يبنه أحد قبله ولن يُعاد بناؤه بنفس الطريقة.
هذا الفارق البسيط الظاهر يخفي سؤالاً فلسفياً عميقاً. كلاهما يبني، كلاهما يُنتج، كلاهما يُحوّل المادة إلى شكل. فأين يكمن الاختلاف الجوهري؟ الجواب لا يوجد في المنتج بل في ما يسبقه: إيفل رسم البرج في ذهنه قبل أن يضع حجراً على حجر. النحلة لا تتخيل خليتها لأنها لا تحتاج إلى التخيل، الطبيعة رسمتها فيها منذ الأزل.
يُعدّ الشغل ظاهرة مركزية في الوجود الإنساني، فمن خلاله يُحوِّل الإنسان الطبيعة ويُحوِّل ذاته في الوقت نفسه.¹ لكن الشغل لا يُثير إشكاليته فقط حين يُقارَن بالنشاط الحيواني، بل حين يُفحص من الداخل. فهو في الوقت الذي يُمكّن الإنسان من تحقيق ذاته يمكن أن يتحول إلى قوة تقمع هذه الذات وتُخضعها لمنطق الإنتاج والطاعة.
هل الشغل الإنساني نشاط واعٍ وهادف يمثل تحقيقاً للذات وتجسيداً للفكر في المادة؟ أم أنه يتحول في ظروف معينة إلى أداة لإضعاف الإرادة الحرة وترويض الإنسان؟

موقف كارل ماركس Karl Marx (1818 - 1883)
يرى ماركس أن الشغل هو أساساً فعل طرفاه الإنسان والطبيعة. الإنسان يُعبّئ قواه الجسدية والعقلية ليؤثر في الطبيعة ويُحوّلها، وبتحويل الطبيعة يُحوّل طبيعته الخاصة أيضاً وينمّي الملكات والقدرات الكامنة فيه. لكن ما الذي يُميّز هذا الفعل عن بناء النحلة ونسج العنكبوت؟
الجواب عند ماركس واضح: المهندس ينجز في رأسه ما سيقوم به قبل تنفيذه. هذا التقدم الذهني على الفعل المادي هو ما يجعل الشغل إنسانياً بامتياز. النحلة تبني بالغريزة والمهندس يبني بالقصد. الأولى تُكرر ما رسمته الطبيعة فيها، والثاني يُجسّد ما تخيّله هو. وما دام شغل الإنسان ليس غريزياً فإنه يرتكز على الاهتمام والإرادة، وهذا ما يجعله شرطاً أساسياً للوجود الإنساني وضرورة طبيعية تتوسط الحياة البشرية ذاتها.
يقول ماركس في رأس المال: "العمل هو عملية يشارك فيها الإنسان والطبيعة، وهي العملية التي ينظم بها الإنسان ويسيطر ويتحكم في عملية التمثيل الغذائي بينه وبين الطبيعة. إنه يثير قوى الطبيعة الكامنة ويخضع لعمل إرادته. العمل هو الشرط الأساسي لوجود الإنسان، وهو بذلك مستقل عن جميع التشكيلات الاجتماعية، بل هو ضرورة طبيعية أبدية تتوسط عملية التمثيل الغذائي بين الإنسان والطبيعة، وبالتالي تتوسط الحياة البشرية نفسها."¹
تكمن قيمة هذه الأطروحة في تأكيدها الطابع الوجودي والإبداعي للشغل الإنساني، وفي كشفها أن الفارق بين الإنسان والحيوان ليس في الفعل بل في الوعي الذي يسبقه ويوجّهه. وتتمثل حدودها في أن هذه الرؤية المثالية للشغل قد تغفل ما يمكن أن يتحول إليه في ظل علاقات إنتاج استغلالية، حيث يصبح مصدراً للاغتراب لا للتحقق، وهو ما أشار إليه ماركس نفسه في مواضع أخرى من مشروعه الفكري.
موقف فريدريك نيتشه Friedrich Nietzsche (1844 - 1900)
لا يُنكر نيتشه أن الشغل ضرورة، لكنه يرفض التمجيد الأعمى للعمل الذي يُسود في المجتمعات الحديثة. ما يراه نيتشه هو أن الشغل المفرط والمتواصل لا يُحقق الإنسان بل يُفرغه. حين يمتد الشغل من الصباح إلى المساء ويستهلك الطاقة العصبية كلها ويوجّهها نحو مهام آلية ومتكررة، لا يبقى في الإنسان شيء للتأمل ولا للتساؤل ولا للإبداع.
إيفل حين رسم برجه لم يكن يعمل بالمعنى الصناعي للكلمة. كان يتأمل ويتخيل ويُجرّب وهذا التأمل يحتاج فراغاً وحرية ووقتاً لا يملكه من يعمل اثنتي عشرة ساعة يومياً في خط إنتاج. المجتمعات الحديثة تُمجّد الشغل لأنها تحتاج إلى منتجين طيّعين لا إلى متأملين أحرار. والشغل المفرط هو الأداة المثلى لإنتاج قطيع من الطائعين يشعرون بالرضا لأنهم مشغولون لا لأنهم يعيشون حياة ذات معنى.
يقول نيتشه في ما وراء الخير والشر: "الشغل المفرط يحوّل الإنسان إلى أداة، ويقتل فيه روح التفكير الحر والإبداع. إن المجتمعات الحديثة تستخدم الشغل كأداة لترويض الإنسان، لشلّ فكره، وقمع رغبته في التمرد. فالشغل الشاق يستهلك طاقة الإنسان العصبية، ويحولها إلى حركات آلية، فيصبح الإنسان عبداً للروتين، فاقداً لقدرته على التأمل والتساؤل. هذه الآلية تنتج قطيعاً من الطائعين، وتقضي على إمكانية ظهور الإنسان المتفرد، الفيلسوف أو الفنان."²
تتجلى قيمة هذه الأطروحة في نقدها الحاد للوظيفة الاجتماعية للشغل في المجتمعات الحديثة، وفي كشفها الثمن النفسي والروحي للعمل المفرط الذي يُقدَّم على أنه فضيلة بينما هو في الحقيقة أداة للترويض. وتتمثل حدودها في أن هذا النقد قد يصل إلى رومانسية التمرد متجاهلاً الحاجة البشرية الأساسية للإنتاج والانتماء من خلال العمل، ومتجاهلاً أن كثيراً من الناس يجدون في شغلهم اليومي معنى حقيقياً لا مجرد طاعة.
الخلاصة التركيبية
بنى إيفل برجه ومات عام 1923. لا يزال البرج قائماً. وفي مكان ما من العالم لا تزال النحلة تبني خليتها السداسية بنفس الدقة التي بنتها بها قبل ملايين السنين.
يرى ماركس أن ما يُميّز إيفل عن النحلة هو الوعي الذي يسبق الفعل، وأن هذا الوعي هو ما يجعل الشغل تحقيقاً للإنسانية وتحويلاً للذات لا مجرد استجابة للغريزة. ويرى نيتشه أن الشغل في مجتمعاتنا الحديثة قد خان هذا الوعي وأصبح أداة لإخماده، حيث يستهلك الطاقة العصبية ويوجّهها نحو الطاعة والتكرار بدل التأمل والإبداع.
يكشف هذا التقابل أن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الشغل مُميّزاً للإنسان عن الحيوان، بل ما إذا كان الشغل الذي يُمارسه الإنسان فعلاً يستحق هذا التمييز. الشغل الذي يسبقه تصوّر ويستدعي وعياً وإرادة يُرقّي الإنسان فوق النحلة. أما الشغل الذي يختزل الإنسان في حركة آلية متكررة فقد يجعله أدنى منها.
يظل التساؤل مفتوحاً: كيف يمكن للإنسان أن يُعيد للشغل بعده الإبداعي في مجتمعات تحوّل فيها الإنتاج إلى آلة والعامل إلى ترس فيها؟
المراجع
¹ Marx, K. (1867). Le Capital. Éditions Sociales.
² Nietzsche, F. (1886). Par-delà bien et mal. Éditions Gallimard.