مشكلة الوعي

التمهيد

في عام 1974، نشر الفيلسوف توماس نيغل مقالة قصيرة بعنوان غريب: "كيف ستشعر إن تكون خفاشاً؟"

يرى الخفاش العالم بأذنيه لا بعينيه — يُطلق موجات صوتية وتعود إليه منعكسة فيرسم في دماغه خريطة كاملة للفضاء من حوله. يستطيع علماء الأعصاب وصف هذه العملية بدقة متناهية: الموجات والتردد والخلايا العصبية والخرائط الدماغية. لكن يبقى سؤال واحد لا يستطيع أي وصف علمي الإجابة عنه: كيف يبدو هذا من الداخل؟ ما الذي يُحسّه الخفاش حين يطير في الظلام؟

تنطبق المفارقة ذاتها على الإنسان. يستطيع علماء الأعصاب وصف ما يحدث في الدماغ حين يُشاهد غروب الشمس: فوتونات وأعصاب بصرية ونشاط كهربائي في القشرة البصرية. لكن ما الذي يجعل ذلك اللون البرتقالي يبدو جميلاً في تلك اللحظة بالذات؟ هذا الشعور الداخلي الخاص لا يظهر في أي فحص للدماغ.

وهنا تنبثق الإشكالية: إذا كان الدماغ مادة بحتة كالقلب والكبد، فمن أين يأتي هذا الشعور الداخلي الذي لا يراه أحد من الخارج؟ هل الوعي ظاهرة مادية ستفسرها العلوم يوماً ما، أم أن فيه شيئاً يتجاوز المادة إلى الأبد؟

موقف دافيد شالمرز David Chalmers (1966 - )

يرى شالمرز أن علم الأعصاب يستطيع تفسير كثير من وظائف الدماغ — الذاكرة والانتباه والإدراك والنوم واليقظة. يسمي هذه "المشكلات السهلة" ليس لأنها بسيطة، بل لأن العلم يعرف من حيث المبدأ كيف يقترب منها. غير أن ثمة سؤالاً آخر لا تستطيع أي آلة رصد الإجابة عنه: لماذا يصحب كل هذا النشاط العصبي شعورٌ من الداخل؟ لماذا لا يكون الإنسان مجرد آلة بيولوجية معقدة تعالج المعلومات دون أن "تُحسّ" بشيء؟ يسمي شالمرز هذا "المشكلة الصعبة للوعي" — وهي في نظره ليست جهلاً مؤقتاً بل فجوة حقيقية بين العالمَين المادي والذاتي.

يقول شالمرز في الفكر الواعي: "بينما يمكن للعلوم العصبية أن تشرح آليات الإدراك والانتباه، تبقى المشكلة الصعبة غير محلولة: كيف تنبثق التجربة الذاتية من العمليات المادية؟ لماذا لا نكون مجرد آلات بيولوجية معقدة تفتقر إلى العالم الداخلي؟ كيف يمكن لتدفقات الكهروكيميائية في الدماغ أن تولد إحساساً بالألوان، أو طعماً، أو معاناة؟ هذه الفجوة التفسيرية بين المادي والذاتي هي التحدي الأكبر لفهمنا للعقل."¹

تكمن قيمة هذه الأطروحة في تحديدها الدقيق للفجوة بين ما يقبل الرصد الموضوعي وما يظل حبيس التجربة الذاتية، مما يحمي خصوصية الوعي الإنساني من الاختزال المفرط ويُذكِّر العلم بأن وصف الآليات شيء وتفسير الشعور الداخلي شيء آخر. وتتمثل حدودها في أن شالمرز يُشخِّص المعضلة ببراعة لكنه لا يفتح طريقاً واضحاً للخروج منها، مما يجعل أطروحته أداة نقد أكثر منها منهجاً للحل.

موقف باتريسيا تشيرتشلاند ( - 1943) Patricia Churchland

ترفض تشيرشلاند الفرضية التي يقوم عليها شالمرز من الأساس. يُعدّ القول بأن الوعي سيظل عصياً على التفسير المادي إلى الأبد استسلاماً فلسفياً مبكراً لا مبرر له في نظرها. يزخر تاريخ العلم بظواهر بدت غامضة ومستعصية ثم تبيَّن أنها قابلة للتفسير الطبيعي — كانت الحياة ذاتها يوماً "سراً" يستدعي قوى خفية، حتى جاءت الكيمياء الحيوية وكشفت آلياتها. يبدو ما يُسمى اليوم "فجوة تفسيرية" انعكاساً للجهل الحالي لا دليلاً على استحالة التفسير. ولذلك تدعو إلى مواصلة البحث العصبي التجريبي بدلاً من اختراع مشكلات فلسفية تُثبط المسيرة العلمية.

تقول تشيرشلاند في الروح في الدماغ: "ما يسمى بالمشكلة الصعبة للوعي هو في الحقيقة وهم ناتج عن فجوة في معرفتنا الحالية. عندما نفهم تماماً كيف تعمل الشبكات العصبية، وكيف تنتج السلوكيات المعقدة والعمليات المعرفية، سنجد أن التجربة الذاتية ليست سوى جانباً آخر من عمل الدماغ. لا توجد معجزة في الوعي، بل هناك تعقيد بيولوجي. كلما تعمقنا في فهم الدماغ، كلما زاد تفسيرنا للوعي بشكل طبيعي."²

تتجلى قيمة هذه الأطروحة في رفضها الاستسلام المبكر للغموض ودعوتها إلى مواصلة البحث العلمي مستندةً إلى سوابق تاريخية راسخة أثبتت قدرة العلم على حل ما بدا مستعصياً. وتتمثل حدودها في أنها تُقرِّر ما لم تُثبته بعد — إذ يظل الزعم بأن التجربة الذاتية ستُختزل في آليات عصبية رهاناً على مستقبل مفتوح لا يقيناً قائماً، مما يجعل موقفها إيماناً بالعلم أكثر منه دليلاً علمياً.

الخلاصة التركيبية

يقف شالمرز وتشيرشلاند على طرفَي سؤال واحد عميق: هل للشعور الداخلي بالوجود تفسير مادي كامل أم لا؟

يرى شالمرز أن الفجوة بين النشاط العصبي والتجربة الذاتية حقيقية وجوهرية وأن العلم وحده لن يسدها. وترى تشيرشلاند أن هذه الفجوة وهم معرفي سيتبدد مع تقدم علم الأعصاب.

يكشف هذا الجدال أن السؤال عن الوعي يمس شيئاً أعمق من أي سؤال علمي آخر: يمس ما يعنيه أن يكون الإنسان موجوداً من الداخل. يصف العلم ما يحدث في الدماغ. لكن يبقى السؤال: من يصف ما يحدث في الكائن الذي يُحسّ؟

يظل التساؤل مفتوحاً: هل سينكشف الإحساس الداخلي بالوجود يوماً في إطار مادي كامل، أم أن فيه شيئاً يبقى دائماً على الجانب الآخر من أي وصف موضوعي؟

المراجع

¹ Chalmers, D. (2010). L'Esprit conscient : À la recherche d'une théorie fondamentale. Éditions du Seuil.

² Churchland, P. (2004). L'Âme au cerveau : Les neurosciences et l'expérience consciente. Éditions Odile Jacob.