التمرين 22

النص

لقد كفَّت التقنية عن كونها مجموعة من الأدوات المنعزلة التي يسيطر عليها الإنسان، لتصبح بنفسها نظاماً كلياً ومستقلاً، بيئة اصطناعية تحل تدريجياً محل البيئة الطبيعية. لم تعد التقنية وسيطاً بين الإنسان والطبيعة، بل أصبحت هي الواقع الذي نعيش فيه. لهذا النظام منطقه الخاص والأوحد: البحث عن الفعالية القصوى في كل المجالات وبأي ثمن. فالقاعدة الذهبية هي: ما دام يمكن فعل شيء تقنياً فيجب فعله. لم يعد السؤال الأخلاقي "هل هذا خير؟" أو الجمالي "هل هذا جميل؟" مطروحاً، بل حل محله السؤال التقني "هل هو فعال؟". وهكذا فإن المنطق التقني لا يقضي على الطبيعة فحسب، بل يعيد تشكيل القيم الإنسانية ذاتها، ويفرض معيار الفعالية كقيمة عليا تستبعد كل ما عداها، محولاً الإنسان من غاية إلى مجرد أداة في خدمة هذا النظام الشامل.

حلل وناقش

مقترح التصحيح

أولاً — الفهم (4 نقط)

تحديد موضوع النص (1 ن)

يتناول النص التحول الجذري في طبيعة التقنية الحديثة التي أصبحت نظاماً كلياً مستقلاً يفرض منطق الفعالية القصوى قيمةً عليا وحيدة، مما يُعيد تشكيل القيم الإنسانية ويحوّل الإنسان من غاية إلى أداة.

صياغة المفارقة والإشكال (2 ن)

تكمن المفارقة في أن الإنسان أنشأ التقنية لتكون في خدمته، لكنه يجد نفسه اليوم داخل نظام يفرض قوانينه عليه ويُعيد تعريف قيمه وفق معيار الفعالية لا وفق ما هو خير أو جميل. ومن هنا يبرز الإشكال: هل التقنية لا تزال أداة في يد الإنسان يوجهها بحرية، أم أنها تحولت إلى نظام مستقل يفرض منطقه على القيم الإنسانية ذاتها ويهدد بتحويل الإنسان من غاية إلى وسيلة؟

صياغة الأسئلة الموجهة (1 ن)

ما التقنية؟ وهل هي أداة محايدة أم نظام مستقل بمنطقه الخاص؟ وما الفعالية؟ وهل يمكن أن تكون قيمة أخلاقية؟ وما علاقة التقنية بالقيم الإنسانية وبوضع الإنسان كغاية؟

ثانياً — التحليل (5 نقط)

استخراج الأطروحة وشرحها (2 ن)

يرى صاحب النص أن التقنية لم تعد أداة يتحكم فيها الإنسان بل أصبحت نظاماً شاملاً يفرض منطق الفعالية القصوى معياراً وحيداً للوجود، مستبعداً الأسئلة الأخلاقية والجمالية، ومحولاً الإنسان نفسه من غاية ينبغي احترامها إلى مجرد أداة في خدمة هذا النظام.

تحليل الأفكار والمفاهيم والعلاقات بينها (2 ن)

يتضمن النص ثلاثة مفاهيم متشابكة تتصاعد في خطورتها. النظام الكلي المستقل الذي يصف التحول من أداة منعزلة إلى كيان له قوانينه الداخلية التي لا تحتاج موافقة الإنسان. والفعالية القصوى التي أصبحت المعيار الذهبي الوحيد بديلاً عن الخير والجمال والحق. وتحويل الإنسان من غاية إلى أداة الذي يمثل النتيجة الأخلاقية الأخطر لهذا المنطق. وتجمع هذه المفاهيم علاقة سببية تصاعدية من استقلال التقنية إلى هيمنة منطقها إلى إعادة تشكيل الإنسان ذاته.

تحليل البنية الحجاجية (1 ن)

اعتمد النص بنية حجاجية وصفية استنتاجية، يبدأ بتقرير واقع التقنية الراهنة، ثم يكشف منطقها الأوحد بصيغة "القاعدة الذهبية"، ثم يُبرز إحلال السؤال التقني محل الأسئلة الأخلاقية والجمالية، وينتهي باستنتاج أخلاقي خطير عن مآل وضع الإنسان.

ثالثاً — المناقشة (5 نقط)

إبراز قيمة الأطروحة وحدودها (3 ن)

قيمة الأطروحة تكمن في فضحها خطورة تحويل الكفاءة إلى قيمة أخلاقية عليا، وهو ما يُبرر في الواقع أفعالاً تقنية مثيرة للجدل كالهندسة الوراثية غير المنضبطة وتوظيف الذكاء الاصطناعي في القرارات المصيرية. كما تُفسر ظاهرة "التشيؤ" التي يُختزل فيها كل ما هو إنساني في مقاييس قابلة للقياس الكمي.

غير أن هذه الأطروحة تواجه حدوداً مهمة. فهي تميل إلى التشاؤم المطلق وتتجاهل أن الإرادة السياسية والإنسانية لا تزال قادرة على سن قوانين وضوابط أخلاقية للتقنية. كما أن الفعالية ليست سلبية بالمطلق، إذ هي ضرورة لضمان الرعاية الصحية وتوفير الغذاء لملايين البشر.

الانفتاح على إمكانات أخرى للتفكير (2 ن)

يُقبل كل موقف فلسفي مدروس مربوط بالإشكالية، من بينها الموقف الذي يرى أن درجة سيطرة التقنية علينا تعكس مدى فشلنا في توجيهها أخلاقياً وسياسياً، وأن الحل يكمن في إخضاعها للمساءلة لا في اعتبارها نظاماً لا يقاوم. ومن بينها أيضاً الموقف الذي يرى أن التحدي يستلزم تأسيس أخلاق مسؤولية جديدة تسبق المنطق التقني وتسأل عن نتائج أفعالنا التقنية على الأجيال المستقبلية وعلى الكوكب.

رابعاً — التركيب (3 نقط)

كشف النص عن مفارقة عميقة بين التقنية كصنيعة الإنسان وكنظام يُعيد تشكيله. وتبقى قيمة هذا الموقف في تحذيره من آيديولوجيا الفعالية التي تُفرغ الوجود الإنساني من معناه الأخلاقي. غير أن التحرر لا يكون بإدانة التقنية بل بإعادة دمج القيم الإنسانية في صلب الفعل التقني، بحيث يظل السؤال دائماً: هل يمكن فعل هذا بفعالية دون المساس بكرامة الإنسان أو سلامة الطبيعة؟

الجوانب الشكلية (3 نقط): تماسك العرض، سلامة اللغة، وضوح الخط وعلامات الترقيم.

¹ إيول، جاك. (1954). المجتمع التقني. ترجمة فاضل جتكر. المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2012.