الرغبة والإرادة

التمهيد

في عام 2009، نشر عالم الأعصاب الأمريكي آنتوني ديكيتي تجربة صادمة في نتائجها. وضع أمام مجموعة من المتطوعين طبقاً من الشوكولاتة الفاخرة، وطلب منهم ألا يأكلوا. سجّلت أجهزة الرصد نشاطاً مكثفاً في منطقة الرغبة بالدماغ. ثم طلب منهم أن يأكلوا. فسجّلت أجهزة أخرى نشاطاً مختلفاً تماماً في منطقة القرار.

لحظتان في الدماغ. منطقتان مختلفتان. إشارتان لا تتزامنان.

الرغبة كانت هناك قبل القرار. والقرار لم يكن مجرد تنفيذ للرغبة.

تكشف هذه التجربة فرقاً يعرفه كل إنسان في حياته اليومية لكنه نادراً ما يتوقف عنده: الرغبة هي الميل الداخلي نحو شيء ما، لكنها تقف عند حد الميل ولا تتحمل مسؤولية تنفيذ الفعل. أما الإرادة فهي التي تسمح بحدوث الفعل أو تمنعه.

قد يرغب الإنسان في شيء ولا يريد الإقدام عليه. يرغب في الانتقام لكنه لا يريد أن يفعله بنفسه. يشتهي مال جاره لكنه لا يريد أن يأخذه. يرغب في معروف من صديقه لكنه لا يريد أن يطلبه.

الرغبة شعور مجرد عن الفعل. والإرادة أمر بالعمل أو نهي عنه.

وهنا تنبثق الإشكالية: هل الإرادة مجرد أداة طيّعة في خدمة الرغبة، بحيث لا يفعل الإنسان شيئاً إلا لأنه يشتهيه، أم أن الإرادة سلطة عقلية عليا قادرة على كبح الرغبة وإخضاعها للمنطق والمبادئ الأخلاقية؟

موقف باروخ سبينوزا Baruch Spinoza (1632 - 1677)

يقلب سبينوزا المنطق الأخلاقي الشائع رأساً على عقب. يظن الناس عادةً أنهم يرغبون في الأشياء لأنها خيرة، وأن الإرادة تتجه نحو الخير الموضوعي المعروف مسبقاً. لكن سبينوزا يرى العكس تماماً: لا يرغب الإنسان في الشيء لأنه خير، بل يحكم عليه بأنه خير لأنه يرغب فيه.

لفهم هذه الفكرة بعمق، لا بد من فهم مفهوم محوري في فلسفته وهو الـ Conatus، أي جهد البقاء. يرى سبينوزا أن كل كائن، بما فيه الإنسان، مبرمج في أعماقه على السعي نحو ما يزيد قوته في الوجود ويبعد عنه الألم. هذا الجهد الأولي موجود دائماً، لكنه يبقى خاملاً حتى يظهر مثير ما يُنشّطه ويوجّهه نحو هدف محدد.

فصل الربيع ليس جميلاً ولا قبيحاً في ذاته. من عانى من البرد القارس يرى فيه دفئاً وجمالاً، ومن يعاني من الحساسية يراه مصدر إزعاج. الربيع لم يتغير. ما تغيّر هو التركيبة الداخلية لكل شخص، وهي التي صنعت الحكم. بهذا المعنى لا توجد قيم مطلقة في الطبيعة، فكل الأحكام تنبع من رغباتنا وعلاقتنا النفعية بالأشياء.

غير أن هذا الطرح يواجه اعتراضاً حاداً تكشفه تجربة الإدمان. يعرف المدخن المدمن أن التدخين يضره ولا يرى فيه أي خير، ومع ذلك تنهزم إرادته أمام رغبته. الرغبة هنا لا تحتاج إلى حكم بالخير كي تنتصر. وهذا يكشف أن التجربة الإنسانية الفعلية أكثر تعقيداً مما يوحي به نص سبينوزا.

والحقيقة أن سبينوزا لم يغفل هذا التعقيد. فهو يميز بين نوعين من المعرفة: معرفة غامضة تنبع من الجسد مباشرة وتطلب الإشباع الآني، ومعرفة واضحة تنبع من التجربة المتراكمة وتستحضر الألم السابق وتحاول تجنبه. الصراع الذي يعيشه المدمن ليس صراعاً بين جسد وعقل منفصلين، بل هو صراع بين نوعين من المعرفة داخل كيان واحد: رغبة عمياء تريد التحقق الآني، وذاكرة مجربة لا تريد تكرار الألم. وقوة الرغبة الجسدية تنتصر لأنها أكثر حيوية وإلحاحاً، لا لأنها أكثر صدقاً.

يقول سبينوزا في الأخلاق: "لا نسعى لشيء لأننا نحكم عليه بأنه خير، بل نحكم على الشيء بأنه خير لأننا نسعى إليه. الرغبة هي الجوهر الحقيقي للإنسان، وهي التي تحدد ما نعتبره خيراً أو شراً. لا توجد قيم مطلقة في الطبيعة، فكل الأحكام تنبع من علاقتنا بالأشياء ورغبتنا في الحفاظ على وجودنا. ما نسميه خيراً هو ببساطة ما يفيدنا ويزيد قوتنا، وما نسميه شراً هو ما يضر بنا ويقلل من قدرتنا."¹

تكمن قيمة هذه الأطروحة في جرأتها على تفكيك وهم الحياد الأخلاقي، إذ تكشف أن أحكامنا القيمية ليست معطيات موضوعية محايدة بل هي انعكاس لرغباتنا وتركيبتنا الداخلية، مما يدفع الإنسان نحو فهم أعمق وأكثر صدقاً لدوافعه الحقيقية. وتتمثل حدودها في أنها تعجز عن تفسير حالات الإدمان والانفعالات القاهرة حيث تنتصر الرغبة رغم غياب أي حكم بالخير، مما يكشف أن الرغبة أحياناً أقوى من أي بنية معرفية تحكم عليها.

يكشف موقف سبينوزا في نهاية المطاف أن الرغبة قد تكون أقوى من الإرادة وأسبق منها في الظهور. فإذا كانت الرغبة تنتصر حتى حين يعرف الإنسان أنها تضره، فهذا يعني أن الإرادة ليست سلطة عليا تتحكم في الرغبة بل هي في أحيان كثيرة أسيرتها. وهنا تنبثق الحاجة إلى موقف مختلف يُعيد للإرادة كرامتها ويجعلها شيئاً أكثر من مجرد ترجمة للرغبة إلى فعل.

موقف شارل رينوفييه Charles Renouvier (1815 - 1903)

لا يُنكر رينوفييه وجود الرغبة ولا قوتها، لكنه يرفض اختزال الإنسان فيها. ما يراه سبينوزا انتصاراً للرغبة يراه رينوفييه هزيمة للإرادة، وهذا التمييز ليس لغوياً بل جوهري. فوجود الهزيمة يفترض وجود معركة حقيقية، ووجود المعركة يفترض وجود طرفين متمايزين فعلاً، الرغبة من جهة والإرادة من جهة أخرى.

يرى رينوفييه أن الإرادة ليست مجرد صدى للرغبة ولا أداة تنفيذها، بل هي قوة مستقلة تفترض القدرة على التراجع والمراجعة. حين يواجه الإنسان رغبة ما، يستطيع أن يقف أمامها ويزنها في ضوء رغبات أخرى وقيم وحسابات متعددة، ثم يقرر بوعي إن كان يتبعها أم يرفضها. هذه القدرة على المسافة من الرغبة هي ما يُميّز الإنسان عن الحيوان الذي يتبع غريزته مباشرة. فالمدخن الذي يعرف الضرر ويقاوم السيجارة ليس مجرد رغبة تصطدم برغبة أخرى، بل هو إرادة واعية تقف في وجه انجراف الجسد وتقول لا. وإذا خضعت الإرادة للرغبة دون تفكير ومراجعة فلا تعود إرادة بل استسلاماً. الإرادة الحقيقية هي تلك التي تملك القدرة على قول لا.

يقول رينوفييه في مقالات في النقد العام: "الإرادة ليست مجرد صدى للرغبة، بل هي قوة مستقلة قادرة على مقاومة الطبيعية. عندما نقول أريد، فإننا لا نعبر عن رغبة عفوية، بل عن قرار واعٍ تم اتخاذه بعد مواجهة بين دوافع متعددة. الحرية الحقيقية لا تكمن في اتباع الرغبات، بل في القدرة على اختيار ما نرغب فيه. الإرادة هي التي تمنحنا القدرة على أن نكون أسياد رغباتنا لا عبيداً لها."²

تتجلى قيمة هذه الأطروحة في تأسيسها لمفهوم المسؤولية الأخلاقية على أساس متين، إذ تجعل من الإنسان فاعلاً حقيقياً قادراً على مراجعة دوافعه لا مجرد ناقل لرغباته، وهو ما تدعمه تجربة الإنسان اليومية في مقاومة الإغراء والتغلب على العادات. وتتمثل حدودها في أن هذا الفصل الحاد بين الإرادة والرغبة قد يبالغ في تصوير الإرادة كقوة محايدة ومستقلة تماماً، متجاهلاً أنها هي الأخرى تتشكل بالتربية والثقافة والتجربة، وأنها في حالات الإدمان الحاد قد تعجز عن أداء دورها مهما بلغت قوتها.

الخلاصة التركيبية

كشفت تجربة الشوكولاتة أن الدماغ يُفرّق بين الرغبة والقرار. لكن الفلسفة تذهب أعمق لتسأل: من يملك السلطة الأخيرة على الفعل الإنساني؟

يرى سبينوزا أن الرغبة هي الأصل وأن أحكامنا القيمية ما هي إلا انعكاس لها، وأن الصراع الداخلي الذي يعيشه الإنسان هو صراع بين رغبات متعارضة لا بين رغبة وإرادة مستقلة. ويرى رينوفييه أن الإنسان يملك قوة تتجاوز الرغبة، هي قدرته على الوقوف أمامها ومراجعتها واختيار ما يتبناه منها.

يكشف هذا التقابل أن السؤال ليس مجرد سؤال نفسي عن آليات الدماغ بل سؤال أخلاقي جوهري: إذا كانت الإرادة وليدة الرغبة فعلام نُحاسَب؟ وإذا كانت مستقلة عنها فمن أين تستمد قوتها؟

يظل التساؤل مفتوحاً: هل يكون الإنسان حراً حقاً حين يتبع رغبته، أم حين يقاومها؟

المراجع

¹ Spinoza, B. (1677). Éthique. Éditions Gallimard.

² Renouvier, C. (1875). Essais de critique générale. Éditions Ladrange.