
يعيش الإنسان في كل لحظة على ثلاثة مستويات متداخلة لا يدرك في الغالب أنها ثلاثة.
يُدرك ما حوله من أصوات وألوان وأشخاص وأحداث، ويُحسّ بما بداخله من حزن وغضب وندم وفرح. هذا هو الوعي، ذلك الضوء الداخلي الذي يجعل الإنسان حاضراً في العالم وحاضراً لنفسه في آنٍ واحد.¹
لكن تحت هذا الضوء يعمل في الخفاء جهاز آخر لا يراه الإنسان ولا يشعر بعمله، وهو مع ذلك يؤثر في قراراته ورغباته وسلوكه اليومي. هذا هو اللاوعي، الجزء الغاطس من النفس الذي يشتغل بعيداً عن إضاءة الوعي.¹
وفوق الاثنين معاً، تعمل طبقة ثالثة أكثر خفاءً: مجموعة من الأفكار والمعتقدات والمواقف التي يحملها الإنسان عن العالم الاجتماعي والسياسي، أحياناً بوعي وأحياناً دون وعي، وهي في كثير من الأحيان لا تعكس الواقع بل تُشكّل فهماً مغلوطاً عنه يخدم قوى مهيمنة دون أن يدري صاحبه. هذه هي الإيديولوجيا.²
تتقاطع هذه المستويات الثلاثة في أسئلة فلسفية لم تحسمها الفلسفة بعد:
يطرح الوعي في حد ذاته سؤالاً محيّراً: إذا كان الدماغ مادة بحتة كالقلب والكبد، فمن أين يأتي هذا الشعور الداخلي الذي لا يراه أحد من الخارج؟ ما مشكلة الوعي، وهل هو ظاهرة مادية ستفسرها العلوم يوماً ما، أم أن فيه شيئاً يتجاوز المادة إلى الأبد؟
ويطرح اللاوعي سؤالاً أكثر إزعاجاً: إذا كانت قوى خفية تعمل في الأعماق وتوجّه السلوك دون علم صاحبه، فهل الإنسان فعلاً سيد نفسه؟ ما علاقة الوعي باللاوعي، وهل اللاوعي حقيقة نفسية عميقة أم مفهوم يفتقر إلى الأساس العلمي؟
وتطرح الإيديولوجيا السؤال الأكثر قلقاً: إذا كان الإنسان لا يستطيع التمييز بين وعيه الحقيقي ووعيه المزيّف، فكيف يثق بقناعاته؟ كيف يتحول الوعي الزائف إلى حقيقة اجتماعية ملموسة، وما الآليات التي تجعل الوهم قاعدة للسلوك الجماعي؟³
المراجع
¹ Freud, S. (2010). L'Interprétation du rêve. Éditions du Seuil.
² Althusser, L. (1972). Lénine et la philosophie. François Maspero.
³ Berger, P., & Luckmann, T. (2012). La construction sociale de la réalité. Éditions Armand