أساس الاجتماع البشري

التمهيد

في عام 1972، اكتشف علماء الأنثروبولوجيا في الفلبين قبيلة تاساداي المعزولة في غابات مينداناو. كانوا يعيشون في كهوف بعيدة عن كل تجمع بشري آخر، عددهم لا يتجاوز ستة وعشرين فرداً، لا سلاح لديهم ولا زراعة ولا تنظيم سياسي يُذكر. بدوا لأول وهلة كأنهم نموذج حي لما يُسمّيه الفلاسفة "حالة الطبيعة."

لكن حين درسهم الباحثون عن كثب وجدوا شيئاً لافتاً: رغم بساطتهم المطلقة كانوا يعيشون في جماعة. يتقاسمون الطعام ويتعاونون في جمعه ويرعى بعضهم بعضاً في المرض. لم يختاروا هذا الاجتماع بعقد مكتوب أو تفاوض واعٍ. كانوا مجتمعين لأن الحياة المنفردة لم تكن ممكنة أصلاً.

لكن السؤال يبقى: هل اجتمعوا لأن الطبيعة دفعتهم إلى ذلك دفعاً لا خيار فيه، أم لأن شيئاً في العقل الإنساني يحسب ويختار ويُقرّر؟ وحين تكبر الجماعة وتتعقد علاقاتها وتنشأ فيها خلافات ومصالح متعارضة، ما الذي يُبقيها متماسكة؟

وهنا تنبثق الإشكالية: هل اجتماع البشر وتأسيسهم للمجتمع غريزي في طبعهم وناتج عن ضرورة طبيعية لا يمكن مقاومتها، أم هو قرار عقلي إرادي ناتج عن اتفاق واعٍ بين الأفراد يهدف إلى تجاوز حالة الطبيعة وتحقيق الأمن والمصلحة؟

موقف عبد الرحمن بن خلدون Ibn Khaldoun (1332 - 1406)

لا يرى ابن خلدون في اجتماع البشر اختياراً ولا عقداً بل يرى فيه ضرورة بيولوجية لا مفر منها. يبدأ من واقعة بسيطة: الإنسان المنفرد عاجز. عاجز عن تحصيل غذائه وحده، وعاجز عن الدفاع عن نفسه أمام الحيوانات المفترسة، وعاجز حتى عن صنع الأسلحة التي تُمكّنه من ذلك. هذا العجز هو الذي يدفعه إلى الآخرين لا الفضيلة ولا الاختيار. التعاون ضرورة بقاء قبل أن يكون قيمة أخلاقية.

لكن ابن خلدون لا يتوقف عند هذه الضرورة الأولى. يُلاحظ أن الاجتماع ذاته يُنتج مشكلة جديدة: حين يجتمع البشر تظهر العدوانية والتنافس والظلم لأن الطبع الحيواني لا يختفي بمجرد الاجتماع. وهكذا يصبح العمران البشري محتاجاً إلى وازع يضبطه، تنشأ من خلاله السلطة والملك لا كترف سياسي بل كضرورة حتمية بنفس المنطق الذي اقتضى الاجتماع أصلاً.

يقول ابن خلدون في المقدمة: "إن الاجتماع الإنساني ضروري، وهو ما يُعبّر عنه بالعمران. فالإنسان مدني بالطبع، لا تتم حياته إلا بمعاشرة أبناء جنسه. والتعاون ضروري للدفاع عن النفس وتحصيل الرزق. لكن هذا الاجتماع لا يستقيم بدون وازع يردع الناس عن العدوان بعضهم على بعض، فتنشأ الملكة والسلطان. وهكذا تكون الدولة ضرورة بشرية لضبط العمران، لكنها تمر بدورة حتمية من النشوء إلى الهرم كحال الكائن الحي."¹

تكمن قيمة هذه الأطروحة في واقعيتها التحليلية إذ تُفسّر نشأة المجتمع والدولة بمنطق واحد متسق ينطلق من الحاجة البيولوجية لا من المثل الأخلاقية، وهو ما يجعلها قادرة على تفسير كل مجتمعات التاريخ بما فيها الأبسط والأكثر تعقيداً. وتتمثل حدودها في أنها تختزل الاجتماع الإنساني في الضرورة والردع متجاهلةً أن المجتمعات البشرية تنبني أيضاً على قيم وعقد أخلاقية ومشاركة إرادية لا تُفسّرها الضرورة البيولوجية وحدها.

موقف جان جاك روسو Jean-Jacques Rousseau (1712 - 1778)

لا يُنكر روسو أن الضرورة قد تدفع البشر إلى التجمع، لكنه يرى أن الضرورة وحدها لا تُنشئ مجتمعاً بالمعنى الحقيقي للكلمة. قطعان الحيوانات تجتمع بالضرورة لكنها ليست مجتمعاً. ما يجعل الاجتماع الإنساني مختلفاً هو أنه يُمكن أن يكون قائماً على اختيار واعٍ وعقد متبادل يتنازل فيه كل فرد عن جزء من حريته الطبيعية مقابل حماية مشتركة وقانون مشترك.

لكن الأهم عند روسو ليس هذا التنازل بل ما يتبعه من تحوّل. حين يدخل الإنسان المجتمع بموجب هذا العقد لا يخسر شيئاً فحسب بل يكتسب شيئاً لم يكن يملكه في حالة الطبيعة: يتحول من كائن تقوده الغريزة إلى كائن يستشير عقله، ومن كائن تحكمه الشهوة إلى كائن يخضع لقانون ساهم في صياغته. وهذا التحوّل هو الحرية الحقيقية لأن الخضوع للقانون الذي شاركت في وضعه هو سيادة على النفس لا عبودية لها.

يقول روسو في العقد الاجتماعي: "الانتقال من حالة الطبيعة إلى حالة المجتمع يحوّل الإنسان من كائن غريزي غبي إلى كائن عاقل أخلاقي. ما نخسره من حرية طبيعية مطلقة نربحه في حرية مدنية أسمى. فالطاعة للقانون الذي شاركنا في وضعه هي أسمى درجات الحرية. في المجتمع نكتسب الحرية الأخلاقية التي تجعلنا أسياداً لأنفسنا، بينما الانقياد للشهوات هو العبودية الحقيقية. العقد الاجتماعي يحول الحق إلى واجب والغريزة إلى عدالة."²

تتجلى قيمة هذه الأطروحة في تأسيسها فكرة أن المجتمع الإنساني الحقيقي ليس مجرد تجمع للبقاء بل مشروع أخلاقي يرتقي بالإنسان فوق طبيعته الغريزية، وهو ما يُفسّر الإحساس الإنساني العميق بأن القانون العادل الذي ساهمنا في صنعه يختلف جوهرياً عن القانون المفروض علينا. وتتمثل حدودها في أن العقد الاجتماعي المثالي الذي يتصوره روسو نادراً ما يتجسد في الواقع التاريخي حيث كثيراً ما تنشأ القوانين والمؤسسات بالإكراه والهيمنة لا بالتراضي والاختيار الحر.

الخلاصة التركيبية

عاشت قبيلة تاساداي مجتمعةً دون عقد مكتوب ودون فيلسوف يُنظّر لها. لكن حياتها ذاتها كانت تُجسّد التوتر بين الموقفين: اجتمعت لأنها لم تستطع البقاء منفردة كما يقول ابن خلدون، لكن تقاسمها للطعام ورعاية المريض كان يشي بشيء يتجاوز الضرورة كما يقول روسو.

يرى ابن خلدون أن البشر يجتمعون لأن الطبيعة أجبرتهم على ذلك وأن الدولة ضرورة لضبط ما تُنتجه هذه الطبيعة من عدوان. ويرى روسو أن الاجتماع الإنساني الحقيقي لا يكتمل إلا حين يتجاوز الضرورة إلى الاختيار ويتحول من غريزة إلى عقد ومن بقاء إلى عدالة.

يكشف هذا التقابل أن السؤال ليس نظرياً فحسب بل سياسي بامتياز: إذا كان المجتمع مجرد استجابة للضرورة فالسلطة التي تضبطه ضرورة هي الأخرى ولا يحق لنا الاعتراض عليها. وإذا كان المجتمع عقداً إرادياً فالسلطة التي تخرج عن شروط هذا العقد تفقد مشروعيتها.

يظل التساؤل مفتوحاً: هل المجتمع الذي نعيش فيه اليوم نتاج ضرورة أم اختيار؟ وهل القانون الذي نخضع له قانون ساهمنا في صنعه أم فُرض علينا؟

المراجع

¹ ابن خلدون، عبد الرحمن. (2004). المقدمة. دار يعرب.

² Rousseau, J.-J. (1762). Du contrat social. Éditions Flammarion.