
التمهيد
في عام 1951، جلس عالم النفس سولومون أش مع مجموعة من الناس وطلب منهم مقارنة طول خطوط مرسومة على ورقة. السؤال كان بسيطاً جداً والإجابة الصحيحة واضحة لأي عين.
لكن كل المشاركين كانوا متواطئين مع أش ما عدا شخصاً واحداً لا يعلم ذلك. حين أجاب الجميع بإجابة خاطئة بوضوح، أجاب الشخص الوحيد غير المتواطئ بالإجابة الخاطئة هو الآخر في خمسة وثلاثين بالمئة من الحالات.
لم يكن خائفاً. لم يكن يُعاقَب. لم يأمره أحد بشيء. كان فقط يخضع لضغط غير مرئي: ضغط أن يكون مختلفاً عن الجماعة.
حين سُئل المشاركون بعد التجربة عن سبب إجاباتهم الخاطئة، أجاب بعضهم بصدق: "ظننت أنني أرى ما لا يراه الآخرون." وأجاب آخرون: "لم أرد أن أبدو غريباً." في الحالتين لم تكن ثمة قوة قامعة ظاهرة. لكن سلطة المجتمع كانت حاضرة بكل ثقلها.
تكشف هذه التجربة أن المجتمع لا يحتاج دائماً إلى قانون أو عقوبة ليفرض سلطته. يكفيه أحياناً توقع اجتماعي صامت. لكن هل هذا الخضوع خوف من العقاب أم شيء أعمق وأكثر رسوخاً؟
وهنا تنبثق الإشكالية: كيف يرسّخ المجتمع سلطته في الأفراد؟ هل يتم هذا الترسيخ عبر الآليات الخارجية والقمعية المباشرة، أم يتم بشكل أساسي عبر التنشئة والتربية التي تجعل القواعد الاجتماعية تستبطن في وعي الفرد وضميره ليصبح خاضعاً عن طواعية؟

موقف سيجموند فرويد Sigmund Freud (1856 - 1939)
لا يرى فرويد في المجتمع مؤسسة محايدة بل يراه قوة كابتة تُضحّي بسعادة الفرد ثمناً للعيش المشترك. ينطلق من فرضية صارخة: الإنسان بطبعه كائن تسكنه دوافع عدوانية وجنسية لا تعرف القيود. والحضارة لم تقم إلا بفرض كبت دائم على هذه الدوافع. كلما تقدمت الحضارة وتعقدت اشتد الكبت وتوسع نطاقه.
لكن الكبت لا يعمل من الخارج وحده. يُلاحظ فرويد أن المجتمع ذكي بما يكفي ليزرع رقيبه داخل الفرد نفسه. هذا الرقيب الداخلي هو ما يُسمّيه الأنا الأعلى، تلك المنظومة من المحظورات والمعايير التي تتشكل في الطفولة المبكرة من خلال صوت الوالدين والمجتمع، وتظل تراقب وتُحاسب وتُعاقب بالشعور بالذنب حتى حين لا يرى أحد. الإنسان في مجتمع فرويد يعيش تحت ثلاثة أسياد في آن واحد: الهو الذي يطالبه بإشباع رغباته، والأنا الأعلى الذي يطالبه بالامتثال، والواقع الخارجي الذي يفرض قيوده. والأنا المسكين يُحاول التوفيق بين هذا الثالوث المتصارع في قلق لا ينتهي.
وهكذا يصبح المشارك في تجربة أش الذي أجاب إجابة خاطئة خوفاً من الاختلاف نموذجاً حياً لما يصفه فرويد: سلطة اجتماعية تحولت إلى صوت داخلي يُنذر بالعقاب المعنوي قبل أن يأتي أي عقاب خارجي.
يقول فرويد في قلق في الحضارة: "الثمن الذي ندفعه لتقدم الحضارة هو فقدان السعادة من خلال تكثيف شعور الذنب. فالحضارة تقوم على كبت الغرائز ولا سيما الغريزة الجنسية وغريزة العدوان. هذا الكبت يولّد في النفس بؤرة لا تني تقاوم الثقافة. فالأنا مسخَّر بين مطالب الهو ورقابة الأنا الأعلى وقيود الواقع يعيش في حالة صراع دائم. الحضارة تفرض على الفرد التضحية بجزء من سعادته في سبيل الأمن الجماعي مما يخلق توتراً لا ينفك في صميم النفس البشرية."¹
تكمن قيمة هذه الأطروحة في كشفها الثمن النفسي الخفي للحضارة وتفسيرها لمصادر القلق والعدوان المُبطَّن في المجتمعات الحديثة، إذ تُظهر كيف يتحول الكبت الاجتماعي إلى جرح نفسي دائم يُعيد إنتاج نفسه جيلاً بعد جيل. وتتمثل حدودها في اختزالها العلاقة بين الفرد والمجتمع في صراع درامي بين الغرائز والكبت، متجاهلةً إمكانية تحقيق تكامل نفسي أكثر انسجاماً وتجارب الانتماء التي يُعبّر فيها الفرد عن ذاته لا يقمعها.
موقف رالف لينتون Ralph Linton (1893 - 1953)
لا يُنكر لينتون أن المجتمع يمارس سلطة على الأفراد، لكنه يرفض أن تكون هذه السلطة بالضرورة صراعاً وكبتاً. يرى أن الآلية الأكثر فاعلية وأعمق تأثيراً في ترسيخ السلطة الاجتماعية ليست العقاب بل التنشئة.
يبدأ من مشهد بسيط يومي: الطفل جائع فيُطعمه الكبار. في هذه اللحظة البسيطة لا يحدث نقل للغذاء فقط بل نقل للثقافة. الكبار الذين يُطعمون الطفل يُعلّمونه في الوقت ذاته متى يأكل وكيف يمسك الملعقة وماذا يقول قبل الأكل وبعده وبمن يتشارك طعامه. الطفل لا يشعر بأنه يتلقى أوامر. يشعر فقط بأنه يتلقى رعاية. لكن مع كل رعاية يتشرّب قاعدة، ومع كل قاعدة يبني جزءاً من شخصيته. حين يكبر لن يحتاج رقيباً خارجياً يُذكّره بآداب المائدة لأن هذه الآداب أصبحت هو نفسه.
والمشارك في تجربة أش الذي أجاب إجابة خاطئة لأنه "لم يرد أن يبدو غريباً" هو في نظر لينتون إنسان نجحت تنشئته الاجتماعية في تحويل قيمة الانتماء والتوافق إلى جزء من شخصيته، لا إنسان خائف من عقوبة.
يقول لينتون في الأسس الثقافية للشخصية: "المجتمع لا يسيطر على الأفراد من خلال الإكراه المباشر فحسب، بل من خلال غرس أنماط الثقافة في نفوسهم منذ الطفولة. فعملية التنشئة الاجتماعية تحوّل الحاجات البيولوجية إلى ممارسات ثقافية. عندما نطعم الطفل لا نقدم له الغذاء فقط بل نعلمه آداب المائدة وقيم المشاركة ومعنى الوقت. بهذه الطريقة يصبح النظام الاجتماعي جزءاً من تكوين الشخصية ولا يعود الفرد بحاجة إلى رقيب خارجي لأن الرقيب أصبح داخله."²
تظهر قيمة هذه الأطروحة في تفسيرها الهادئ لكيفية إعادة إنتاج المجتمع لنفسه عبر الأجيال دون حاجة إلى عنف أو صراع مستمر، إذ تكشف أن أعمق أشكال السلطة هي تلك التي تجعل الخضوع يبدو طبيعياً وتلقائياً. وتتمثل حدودها في مبالغتها في سلاسة هذه العملية، إذ يُقاوم كثير من الأفراد فعلاً القيم التي نشأوا عليها ويتمردون عليها، مما يكشف أن التنشئة لا تُنتج امتثالاً كاملاً وأن الصراع الذي يصفه فرويد ليس وهماً.
الخلاصة التركيبية
عاد المشاركون في تجربة أش إلى بيوتهم. بعضهم ظل يتساءل لماذا أجاب بما يعلم أنه خطأ. ربما لم يجد الإجابة. وهذا بالضبط ما تكشفه الفلسفة: أعمق أشكال السلطة هي تلك التي لا نُدرك أننا نخضع لها.
يرى فرويد أن سلطة المجتمع تعمل بالكبت والإكراه المزدوج، خارجي تمثله المؤسسات وداخلي يجسده الأنا الأعلى، وأن ثمن الحضارة قلق لا ينتهي. ويرى لينتون أن هذه السلطة تعمل بطريقة أهدأ وأعمق عبر التنشئة التي تُحوّل قواعد المجتمع إلى طبيعة ثانية للفرد يصبح معها الرقيب الخارجي غير ضروري.
يكشف هذا التقابل أن سلطة المجتمع في الأفراد ليست أحادية الوجه: هي في بعض تجلياتها كبت وصراع كما رأى فرويد، وهي في تجليات أخرى تشكيل هادئ لا يُرى كما رأى لينتون. والأرجح أن كلا الوجهين حاضران في كل مجتمع بنسب متفاوتة.
يظل التساؤل مفتوحاً: إذا كان الرقيب يسكن داخلنا قبل أن يسكن خارجنا، فهل نستطيع حقاً أن نتحرر من سلطة المجتمع؟ وهل التحرر ذاته لم يُشكّله المجتمع أيضاً؟
المراجع
¹ Freud, S. (1929). Malaise dans la civilisation. Presses Universitaires de France.
² Linton, R. (1959). Le fondement culturel de la personnalité. Éditions Dunod.