التمهيد
في عام 1970، أجرى علماء النفس في جامعة ستانفورد تجربة أصبحت من أشهر تجارب علم النفس في القرن العشرين. وضعوا أمام أطفال في سن الرابعة قطعة مارشميلو واحدة، وأخبروهم: إذا انتظرتم خمس عشرة دقيقة دون أكلها، ستحصلون على قطعتين.
غادر الباحثون الغرفة. بقي الأطفال وحدهم مع الإغراء.
تصرف كل طفل بطريقة مختلفة. أكل بعضهم القطعة فوراً. حاول بعضهم المقاومة فغطوا عيونهم أو أداروا وجوههم. واحد شم القطعة طويلاً ثم أكلها. وقليلون صمدوا حتى عاد الباحثون وحصلوا على القطعتين.
لكن ما فاجأ الجميع جاء بعد سنوات. حين تتبع الباحثون هؤلاء الأطفال بعد عشرين عاماً، وجدوا أن من صمدوا كانوا أكثر نجاحاً في دراستهم وعلاقاتهم وصحتهم النفسية. ومن أكلوا القطعة فوراً كانوا يعانون أكثر من القلق وصعوبات الحياة.
تكشف هذه التجربة مفارقة عميقة: تحقيق الرغبة الآنية لم يُنتج السعادة الدائمة، بل ربما أعاق بلوغها. وهذا يضعنا أمام سؤال لم يتوقف الفلاسفة عن طرحه: هل تحقيق الرغبات يؤدي إلى السعادة الحقيقية والمستدامة، أم أن السعادة تكمن في شيء آخر يتجاوز دائرة الرغبة وإشباعها؟

موقف توماس هوبز Thomas Hobbes (1588 - 1679)
لا يرى هوبز في الرغبة عدواً للسعادة بل يرى فيها جوهرها. يُعرّف السعادة تعريفاً يصدم التوقعات الشائعة: ليست هي حالة من الهدوء والرضا والاكتفاء، بل هي مسيرة متواصلة من رغبة إلى أخرى. فما أن تُشبع رغبة حتى تولد في الإنسان رغبة جديدة أعلى وأكبر، والحياة السعيدة هي تلك التي تتواصل فيها هذه الحركة دون توقف. الإنسان كائن راغب بطبيعته، والتوقف عن الرغبة ليس راحة بل موتاً. بهذا المعنى، السعادة ليست وجهة يصل إليها الإنسان، بل هي الطريق نفسه حين يكون في حركة دائمة نحو الأمام.
يقول هوبز في اللفياثان: "السعادة ليست حالة من الرضا الثابت، بل هي مسيرة مستمرة للرغبة من شيء إلى آخر. إنها الرغبة الدائمة في الانتقال من قوة إلى قوة أعلى، في سعي لا ينتهي إلا بالموت. الحياة البشرية هي حركة دائمة وليست إحساساً بالراحة والطمأنينة. فما يسمى سعادة هو في الحقيقة عملية مستمرة من الإشباع المؤقت للرغبة يليه مباشرة ظهور رغبة جديدة. هذا السعي الدائم هو طبيعة الإنسان وليس فيه راحة دائمة."¹
تكمن قيمة هذه الأطروحة في تشخيصها الدقيق للطبيعة الديناميكية للتجربة الإنسانية، إذ تُفسّر لماذا يشعر الإنسان بالفراغ حين يتوقف عن السعي ولماذا تجلب الإنجازات فرحاً مؤقتاً سرعان ما يُفضي إلى طموح جديد. وتتمثل حدودها في أنها تختزل السعادة في الكم والحركة متجاهلةً إمكانية وجود نوع آخر من الاكتفاء لا يحتاج إلى سعي دائم، كسعادة الفيلسوف في تأمله أو سعادة الأب في مراقبة طفله ينمو.
موقف آرثر شوبنهاور Arthur Schopenhauer (1788 - 1860)
يبدأ شوبنهاور من حيث ينتهي هوبز. نعم الإنسان كائن راغب لا يتوقف، لكن هذا بالضبط هو مصدر شقائه لا سعادته. يرى شوبنهاور أن الرغبة في جوهرها نقص وألم، وأن إشباعها لا يُنتج سعادة حقيقية بل يُنتج فراغاً يسارع إلى ملئه برغبة جديدة. يعيش الإنسان هكذا محاصراً بين تهديدين لا فكاك منهما: حين تشتد الرغبة يعذّبه الحرمان، وحين تُشبع تستقبله الفراغ والملل، فلا يطول الهدوء حتى تنبثق رغبة جديدة تستأنف الدورة من البداية. تجربة الأطفال في تجربة المارشميلو تُثبت صحة هوبز ظاهراً، لكن شوبنهاور يسأل: وماذا بعد أن يحصل الطفل على القطعتين؟ سيريد ثلاثاً. هذه هي المأساة.
يقول شوبنهاور في العالم إرادة وتمثلاً: "الحياة البشرية تتأرجح مثل رقاص الساعة بين الألم والملل. فما أن تتحقق رغبة حتى يخيم الملل، وما أن يستقر الملل حتى تنبعث رغبة جديدة تجرّ وراءها الألم. هذه الدائرة المفرغة هي قدر كل كائن حي. الإرادة العمياء التي تدفعنا للرغبة هي مصدر شقائنا، فكل إشباع مؤقت لا يزيدنا إلا جوعاً جديداً. السعادة الحقيقية ليست في إشباع الرغبات بل في كبح جماح الإرادة والتحرر من عبوديتها."²
تتجلى قيمة هذه الأطروحة في كشفها البنية المأساوية للرغبة الإنسانية وتفسيرها للشعور العميق الذي يعرفه كل إنسان بأن الإشباع لا يدوم وأن الحصول على ما أراد لا يملأ الفراغ الذي ظن أنه سيملؤه. وتتمثل حدودها في تشاؤمها المطلق الذي يُغفل إمكانية تحويل الرغبة إلى طاقة إبداعية، وتجارب السعادة العميقة التي تنشأ من الحب والعطاء والاندماج في عمل ذي معنى، وهي تجارب لا يُفسّرها الرقاص بين الألم والملل.
الخلاصة التركيبية
عاد أطفال تجربة المارشميلو بعد عشرين عاماً ليُعلّمونا شيئاً لم يقله لهم أحد: السعادة ليست في اللحظة الآنية، لكنها ليست أيضاً في الرقاص الأبدي بين الألم والملل.
يرى هوبز أن السعادة هي حركة الرغبة ذاتها وأن التوقف عن السعي هو الموت الحقيقي. ويرى شوبنهاور أن هذه الحركة بالذات هي الشقاء المُقنَّع وأن التحرر من الرغبة هو الطريق الوحيد نحو السلام.
يكشف هذا التقابل أن السؤال ليس فلسفياً فحسب بل يومياً حاداً: هل أسعى نحو المزيد أم أتعلم الاكتفاء؟ هل السعادة في امتلاك ما أريد أم في تحرري من سلطة الرغبة؟
يظل التساؤل مفتوحاً: إذا كانت الرغبة لا تنتهي وإشباعها لا يدوم، فهل السعادة وهم جميل نسعى إليه لأن السعي نفسه هو ما يجعل الحياة محتملة؟
المراجع
¹ Hobbes, T. (1651). Léviathan. Éditions Gallimard.
² Schopenhauer, A. (1819). Le Monde comme volonté et comme représentation. Presses Universitaires de France.