التمهيد
في صيف 2015، كانت قوارب تعبر البحر الأبيض المتوسط محملة بآلاف الأشخاص فروا من سوريا والعراق وأفغانستان. كانت الصور تملأ شاشات العالم. وكانت الحكومات الأوروبية تتجادل حول ما يجب فعله.
لكن قبل أي قرار سياسي، نشأت معركة أخرى أقل ضجيجاً وأكثر تأثيراً: معركة حول كلمة واحدة.
منظمات حقوق الإنسان أصرّت على تسميتهم "لاجئين." الحكومات التي أرادت رفضهم أصرّت على "مهاجرين غير شرعيين." وسائل الإعلام انقسمت. والجمهور في كل بلد شكّل رأيه تبعاً للكلمة التي سمعها أكثر.
كلمة "لاجئ" تحمل في القانون الدولي معنى محدداً: شخص يفر من اضطهاد أو حرب ويستحق الحماية. وتُلزم هذه الكلمة الدول الموقّعة على اتفاقية جنيف بالاستقبال والحماية. أما كلمة "مهاجر غير شرعي" فتُسقط هذا الالتزام كله وتُبيح الترحيل الفوري.
نفس الأشخاص. نفس القوارب. نفس البحر. لكن الكلمة تُقرّر ما إذا كانوا يستحقون الحماية أم لا. تُقرّر ما إذا كانوا ضحايا أم مخالفين. تُقرّر في نهاية المطاف مصيرهم القانوني والإنساني.
لا تصف اللغة هنا الواقع. هي تصنعه. وهنا تنبثق الإشكالية: ما سلطة اللغة ومن أين تستمد الكلمات قوتها وتأثيرها؟ هل تكمن سلطتها في قدرتها الذاتية على تشكيل الفكر وتحديد الوجود، أم أنها مجرد انعكاس لسلطة اجتماعية وسياسية كامنة تُستخدم كأداة للهيمنة وإعادة إنتاج العلاقات القائمة؟


موقف فريدريك نيتشه Friedrich Nietzsche (1844 - 1900)
لا يرى نيتشه في اللغة أداة بريئة للتواصل بل يرى فيها أول أشكال السيطرة في التاريخ الإنساني. فعل التسمية، أي إطلاق اسم على شيء ما، ليس فعلاً محايداً بل هو فعل سلطة بامتياز. حين تُسمّي شيئاً فأنت تُعرّفه وتُحدّده وتتحكم في طريقة رؤية الآخرين له. ومن سيطر على التسمية سيطر على الحقيقة نفسها.
والمثال الذي بدأنا به يُثبت ذلك بجلاء: الحكومات التي أرادت رفض القادمين عبر البحر لم تحتج إلى قوانين جديدة. احتاجت فقط إلى كلمة. "مهاجر غير شرعي" بدلاً من "لاجئ." كلمة واحدة أسقطت حقوقاً كاملة وأباحت ترحيلاً كان سيُعدّ جريمة لو استُخدمت الكلمة الأخرى. هذا بالضبط ما يقوله نيتشه: الأقوياء لا يحتاجون إلى العنف المباشر حين يملكون حق التسمية. وما نُسمّيه "حقيقة" ليس في نظره إلا استعارات قديمة نسي الناس أنها استعارات فأخذوا يتعاملون معها كوقائع ثابتة.
يقول نيتشه في ما وراء الخير والشر: "إن تسمية الأشياء ليست فعلاً بريئاً، بل هي أول أشكال السيطرة. فالأقوياء هم من يخلقون القيم ويسمون الأشياء ويجبرون الضعفاء على تبني تسمياتهم. كل كلمة تحمل في طياتها حكماً قيمياً وكل لغة هي نتاج إرادة القوة. إن الحقيقة ليست سوى جيش من الاستعارات البالية نسينا أنها استعارات فأصبحنا نتعامل معها كحقائق مطلقة. اللغة ليست وسيلة بريئة للتواصل، بل هي ساحة معركة تخفي صراع الإرادات."¹
تكمن قيمة هذه الأطروحة في كشفها الجذور السلطوية للغة وتعريتها وهم الحياد اللغوي، إذ تُفسّر كيف تصبح الكلمات أسلحة في يد من يملك القدرة على فرض معانيها وتشكيل وعي الآخرين بها. وتتمثل حدودها في أن هذا التشكيك الجذري في اللغة يدفع نحو نسبية مطلقة تجعل كل خطاب مجرد تعبير عن إرادة قوة، مما يُصعّب تأسيس أي نقد مشروع أو حوار ممكن، بما في ذلك نقد نيتشه ذاته.
موقف جورج غسدورف Georges Gusdorf (1912 - 2000)
لا يرى غسدورف سلطة اللغة في يد فرد قوي يفرض معانيه على الضعفاء، بل يراها مبثوثة في بنية اللغة ذاتها بوصفها مؤسسة اجتماعية. اللغة كالقانون والاقتصاد تماماً: نظام يسبق الفرد ويُشكّله ويفرض عليه شروطه دون أن يطلب موافقته. حين يولد الطفل يجد اللغة جاهزة بقواعدها ومحظوراتها وما يجوز قوله وما لا يجوز، وليس أمامه إلا أن يمتثل إن أراد الاندماج والتواصل مع المجتمع.
والمثال الذي بدأنا به يكشف هذا البُعد أيضاً لكن بطريقة أعمق. الصحفي الذي يكتب "مهاجر غير شرعي" لا يصدر بالضرورة عن قرار سياسي واعٍ. هو يستخدم الكلمة الشائعة في بيئته الإعلامية، الكلمة التي سمعها أكثر، الكلمة التي لا تُثير اعتراض رئيس التحرير. وحين يقرأها القارئ يتشرّبها دون أن يُدرك أنه يُصدر حكماً. هكذا تعمل سلطة اللغة عند غسدورف: ليست قراراً فردياً بل ضغطاً مؤسسياً يُعيد إنتاج نفسه في كل جملة تُكتب وكل خبر يُذاع، حتى يغدو ما هو حكمٌ قيميٌّ واقعةً موضوعية في أذهان الملايين.
يقول غسدورف في الكلام: "اللغة ليست مجرد أداة تواصل محايدة، بل هي نظام رمزي يحمل في داخله إرثاً ثقافياً واجتماعياً. عندما نتكلم لا نعبر عن أنفسنا فحسب، بل نستدعي تاريخاً كاملاً من التقاليد والقيم. المجتمع يفرض علينا نظامه اللغوي كما يفرض علينا قوانينه الأخلاقية. فاللغة تمثل سلطة خفية توجه تفكيرنا وتحدد ما يمكن قوله وما لا يمكن قوله. كل كلمة ننطقها تحمل بصمة الجماعة التي ننتمي إليها وتشهد على عقد اجتماعي غير مكتوب."²
تتجسد قيمة هذه الأطروحة في كشفها الوجه المؤسسي للسلطة اللغوية التي لا تحتاج إلى قوي بعينه بل تعمل بصمت في بنية اللغة اليومية نفسها، وهو ما يُفسّر كيف تُعيد المجتمعات إنتاج تراتبياتها عبر الكلام الاعتيادي دون أن يشعر أحد بأنه يمارس سلطة أو يخضع لها. وتتمثل حدودها في أن تصويرها اللغة كنظام يُحكم قبضته على الفرد قد يُبالغ في حتمية الهيمنة اللغوية، متجاهلاً قدرة الأفراد والحركات الاجتماعية على تجديد اللغة وتطويعها للمقاومة وإعادة التشكيل.
الخلاصة التركيبية
لا يزال الجدال قائماً حول تلك القوارب. بعض الدول تقول "لاجئون" وبعضها تقول "مهاجرون غير شرعيين" وبعضها تتردد بين الكلمتين تبعاً للسياق السياسي. لكن ما كشفه هذا الجدال أعمق من أي قرار حكومي: الكلمات تُقرّر مصائر البشر قبل أن يُقرّرها أي قانون.
يرى نيتشه أن هذه السلطة اللغوية تسكن في إرادة القوة، وأن من يملك حق التسمية يملك الحقيقة نفسها. ويرى غسدورف أن هذه السلطة أعمق وأخفى إذ تعمل في البنية الاجتماعية للغة نفسها، وتجعل من كل متكلم حارساً لا واعياً للنظام الذي يعيش فيه.
يكشف الموقفان معاً أن سلطة اللغة مزدوجة: سلطة صريحة تمارسها النخب السياسية حين تُحدّد المعاني وتفرض التسميات، وسلطة خفية تمارسها البنية الاجتماعية للغة على كل من يتكلمها. وفي الحالتين لا تبقى اللغة وسيلة محايدة.
يظل التساؤل مفتوحاً: إذا كانت اللغة ذاتها هي أداة السلطة، فبأي لغة نقاوم؟
المراجع
¹ Nietzsche, F. (1886). Par-delà bien et mal. Éditions Gallimard.
² Gusdorf, G. (1953). La Parole. Presses Universitaires de France