التمرين 23

النص

لقد ولّى ذلك العصر الذي كان فيه العلم تأملاً نظرياً خالصاً والتقنية مجرد تطبيق لاحق لمعارفه. إننا نعيش اليوم في ظل كيان هجين يمكن تسميته "العلم-التقني"، حيث لم يعد بالإمكان الفصل بين الاثنين. فالعلم المعاصر لا يستطيع أن يرى أو يختبر إلا من خلال أدوات تقنية متطورة تمثل امتداداً لحواسه وعقله. وهذه الأداة التقنية لم تعد مجرد وسيلة للتحقق من نظرية، بل أصبحت هي التي تطرح الأسئلة وتحدد مجال المعرفة الممكنة. في المقابل لم تعد التقنية مجرد حرفة أو صناعة، بل أصبحت بحثاً علمياً في ذاتها تسعى لاختراق حدود المادة والطاقة والمعلومات.

لقد ذابت الحدود بين المختبر والمصنع، وصار العالَم الفيزيائي الذي يدرسه العالِم هو نفسه العالَم الذي يشكله المهندس. إنهما وجهان لعملة واحدة: مشروع السيطرة العقلانية على الواقع وتشكيله. وهذا يطرح سؤالاً عميقاً: إذا كانت الأداة التقنية هي التي تحدد ما يمكن معرفته، فهل لا يزال العلم بحثاً حراً عن الحقيقة؟ أم أنه أصبح مشروع قوة وسيطرة قبل أن يكون مشروع معرفة؟

حلل وناقش

مقترح التصحيح

أولاً — الفهم (4 نقط)

تحديد موضوع النص (1 ن)

يتناول النص العلاقة الجديدة بين العلم والتقنية في العصر الحديث، حيث تحولت من علاقة تتابع إلى اندماج كامل في كيان هجين يجعل السيطرة العقلانية على الواقع غايتهما المشتركة.

صياغة المفارقة والإشكال (2 ن)

تكمن المفارقة في أن العلم الذي نشأ بوصفه بحثاً حراً عن الحقيقة بات مشروطاً بأدوات تقنية تحدد مسبقاً ما يمكن معرفته، كما أن التقنية التي كانت تطبيقاً لاحقاً للعلم باتت هي نفسها تطرح الأسئلة وتوجه البحث. ومن هنا يبرز الإشكال: هل لا يزال ممكناً التمييز بين العلم كتأمل نظري خالص والتقنية كتطبيق عملي، أم أن اندماجهما أفضى إلى كيان جديد يجعل السيطرة على الواقع غاية العلم الأولى قبل أن تكون معرفة الحقيقة؟

صياغة الأسئلة الموجهة (1 ن)

ما العلم؟ وما التقنية؟ وما طبيعة العلاقة بينهما؟ وهل الأداة التقنية وسيلة محايدة للبحث أم شرط يحدد ما يمكن معرفته؟ وهل السيطرة على الواقع غاية مشروعة للعلم أم أنها تتعارض مع مفهوم المعرفة الحرة؟

ثانياً — التحليل (5 نقط)

استخراج الأطروحة وشرحها (2 ن)

يرى صاحب النص أن العلم والتقنية اندمجا في كيان هجين واحد لم يعد فيه العلم تأملاً نظرياً خالصاً ولا التقنية مجرد تطبيق تابع، وأن هدف هذا الكيان الموحد هو السيطرة العقلانية على الواقع وتشكيله، مما يطرح تساؤلات عميقة حول استقلالية البحث العلمي وحريته.

تحليل الأفكار والمفاهيم والعلاقات بينها (2 ن)

يتضمن النص ثلاثة مفاهيم متشابكة. العلم-التقني الذي يصف الكيان الهجين الجديد الذي حل محل ثنائية النظري والتطبيقي. والأداة التقنية كمحدد للمعرفة الممكنة الذي يكشف أن الأدوات لم تعد وسائل بل شروط قبلية تحدد ما يمكن رؤيته وسؤاله. ومشروع السيطرة العقلانية الذي يمثل الغاية الموحدة للعلم والتقنية معاً. وتجمع هذه المفاهيم علاقة تلازمية تكشف أن كلاً من العلم والتقنية أصبح امتداداً للآخر وشرطاً لوجوده.

تحليل البنية الحجاجية (1 ن)

اعتمد النص بنية نقدية تفسيرية تبدأ بنفي النموذج القديم للعلاقة بين العلم والتقنية، ثم تُعرّف الكيان الجديد وتصف خصائصه، ثم تُثبت التلازم بين الطرفين بأمثلة ملموسة، وتنتهي بسؤال فلسفي مفتوح حول مشروعية السيطرة كغاية علمية.

ثالثاً — المناقشة (5 نقط)

إبراز قيمة الأطروحة وحدودها (3 ن)

قيمة الأطروحة تكمن في دحضها وهم حياد العلم النظري وكشفها أن العلم المعاصر هو مشروع قوة وقدرة على الفعل قبل أن يكون بحثاً عن الحقيقة الخالصة، وهذا يفسر الارتباط الوثيق بين البحث الأكاديمي والتمويل الصناعي والعسكري في عصرنا. كما تُنبه إلى أن الأداة التقنية لا تحقق النظريات فحسب بل تُولّدها وتحدد إمكانياتها.

غير أن هذه الأطروحة تواجه حدوداً مهمة. فجانب التأمل النظري الخالص لا يزال قائماً في الرياضيات البحتة والفيزياء النظرية التي تصوغ نماذج لا يمكن اختبارها تقنياً بعد. كما أن اختزال العلم في مشروع السيطرة يُهمل البعد المعرفي الخالص الذي يبحث عن الحقيقة لذاتها بمعزل عن إرادة التحكم.

الانفتاح على إمكانات أخرى للتفكير (2 ن)

يُقبل كل موقف فلسفي مدروس مربوط بالإشكالية، من بينها الموقف الكلاسيكي الذي يرى ضرورة الحفاظ على الفصل بين العلم كمعرفة تهدف إلى الحقيقة والتقنية كصناعة تهدف إلى التغيير، لأن اندماجهما يُفقد العلم نزاهته ويجعله رهينة المصالح. ومن بينها أيضاً الموقف الذي يرى أن مشروع السيطرة ليس بالضرورة مشروعاً سلبياً، بشرط أن يبقى خاضعاً لغايات إنسانية أسمى كالعدالة وصون الكرامة الإنسانية.

رابعاً — التركيب (3 نقط)

كشف النص عن تحول عميق في طبيعة العلم والتقنية معاً، وتبقى قيمته في تنبيهه إلى أن البحث العلمي لم يعد فعلاً بريئاً بل هو مشروع قوة وتشكيل للواقع. غير أن الأجدر فلسفياً هو القول بأن هذا المشروع لا يصبح خطراً بذاته بل حين يفقد الغاية الإنسانية التي تُضفي عليه معنى، وحين تصبح السيطرة هدفاً لا وسيلة. والمسؤولية تقع على الفلسفة والأخلاق في إعادة طرح السؤال: لماذا نعرف؟ ولمن نشكّل الواقع؟

الجوانب الشكلية (3 نقط): تماسك العرض، سلامة اللغة، وضوح الخط وعلامات الترقيم.

¹ لاتور، برونو وستيف وولغار. (1979). الحياة في المختبر: بناء الوقائع العلمية. ترجمة محمد الخشاب. المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2008.