
يولد الإنسان عاجزاً. لا يستطيع أن يتغذى وحده ولا أن يدفع عن نفسه ولا أن يتعلم كيف يعيش. يحتاج إلى آخرين قبل أن يعرف أنه يحتاج إليهم. وحين يكبر ويستطيع الاعتماد على نفسه يجد أنه لا يريد ذلك، لأن شيئاً فيه صار يبحث عن الآخرين لا من ضرورة بل من حاجة أعمق.
هذا الوجود مع الآخرين، وفيهم، وبسببهم، هو ما نسميه المجتمع. يُعرَّف بأنه مجموعة اجتماعية كبيرة تتقاسم نفس المنطقة المكانية أو الاجتماعية، وتخضع عادةً لنفس السلطة السياسية والأنماط الثقافية السائدة.¹ لكن هذا التعريف يصف الشكل الخارجي للمجتمع لا جوهره. الجوهر هو مجموع العلاقات بين أعضائه، تلك الخيوط غير المرئية من التبادل والتعاون والصراع والاعتماد المتبادل التي تجعل من الأفراد المتفرقين نسيجاً واحداً.
لكن حين نتأمل هذا النسيج تنبثق أسئلة لم تتوقف الفلسفة عن طرحها.
يعيش الإنسان في مجتمع لم يختره، يتكلم لغة لم يضعها، ويرث قيماً لم يقررها. ومع ذلك يُقال إنه اجتمع مع الآخرين بمحض إرادته. فما الذي يجمع الناس أصلاً؟ هل هو الحاجة والخوف والمصلحة المشتركة، أم أن الإنسان اجتماعي بطبعه قبل أي حساب أو اختيار؟ ما أساس الاجتماع البشري؟
وحين يُولد الفرد في مجتمع يجده جاهزاً بمؤسساته وقوانينه وتوقعاته. يُشكّله قبل أن يتشكّل وعيه. ومع ذلك يثور أحياناً عليه ويُغيّره. فأيهما يسبق الآخر ويصنعه؟ ما علاقة الفرد بالمجتمع؟
ولا يقوم مجتمع دون سلطة تُنظّم العلاقات وتفصل في النزاعات وتُحدّد ما هو مسموح وما هو محظور. لكن من أين تأتي هذه السلطة؟ ولماذا يطيعها الناس؟ ما طبيعة السلطة الاجتماعية؟²
المراجع
¹ Giddens, A. (1987). La Constitution de la société. Presses Universitaires de France.
² Rousseau, J.-J. (1762). Du contrat social. Éditions Flammarion.