الحكم الجمالي

التمهيد

في عام 1913 عُرضت في نيويورك لوحة مارسيل دوشامب عارية تنزل السلم. كان النقاد يتوقعون لوحة أكاديمية تقليدية. ما وجدوه كان أشكالاً هندسية متكسرة تحاول أن تُجسّد الحركة على سطح ثابت. اندلع جدل عنيف. أحد المنتقدين قال إنها تشبه انفجاراً في مصنع خشب. ومع ذلك أصبحت لاحقاً من أيقونات الفن الحديث.

من كان على حق؟ المنتقد الأكاديمي الذي تلقى تعليماً فنياً راقياً ورفض اللوحة؟ أم الجمهور الذي أُعجب بها بعد أن أُعيد تأطيرها في المتاحف الكبرى؟ وماذا لو كان الحكمان معاً صادقَين في لحظتهما؟

يُمثّل الجميل إحدى القضايا المركزية في مجال الجماليات إذ يثير تساؤلاً جوهرياً حول طبيعة الحكم الجمالي.¹ لوحة دوشامب تكشف أن هذا الحكم ليس بسيطاً. فحين أقول إن شيئاً ما جميل، هل أُعبّر عن شعور إنساني كوني يتجاوز الثقافة والزمن؟ أم أن ذوقي الذي ظننته طبيعياً هو في الحقيقة نتاج تعليم وانتماء طبقي؟ هل أساس الحكم الجمالي كامن في الذات العاقلة حيث يطالب هذا الحكم بالكونية رغم ذاتيته؟ أم أنه نتاج للمحددات الاجتماعية التي تحوّل الذوق إلى أداة للهيمنة والتمييز الطبقي؟

موقف جورج سانتايانا George Santayana (1863 - 1952)

يرفض سانتايانا السؤال التقليدي: أين يوجد الجمال، في الموضوع أم في الذات؟ ويقول إن هذا السؤال نفسه مبني على وهم. الجمال ليس صفة في الأشياء كاللون أو الشكل، ولا هو مجرد تفضيل شخصي كحب القهوة. الجمال هو لذة مُوضَّعة، أي لذة داخلية ذاتية نعيشها في أنفسنا لكننا نُسقطها على الموضوع ونراها فيه كأنها تنتمي إليه لا إلينا.

حين يقف شخص أمام لوحة دوشامب ويقول إنها جميلة فهو لا يكذب ولا يهلوس. هو يعيش لذة حقيقية في داخله. لكن ما يحدث لاحقاً هو أنه يُسقط هذه اللذة على اللوحة ويراها صفة فيها لا شعوراً فيه. لهذا يقول "اللوحة جميلة" لا "أنا أشعر بلذة أمامها". هذا الإسقاط غير واعٍ وتلقائي وهو ما يجعل الحكم الجمالي يختلف عن مجرد التفضيل الشخصي.

وهذا يفسر أيضاً لماذا يختلف الناس في الجمال دون أن يكون أحدهم مخطئاً بالضرورة. كل واحد يعيش لذة حقيقية لكن اللذات مختلفة. والاختلاف ليس في الموضوع بل في الذوات التي تتفاعل معه.

يقول سانتايانا في الإحساس بالجمال: "الجمال قيمة إيجابية وجوهرية ومتأصلة في الإحساس. إنه لذة نعيشها كصفة في الموضوع لا كحالة في أنفسنا. حين نرى شيئاً جميلاً لا نقول إننا نشعر بلذة بل نقول إن الشيء جميل، لأننا أسقطنا هذه اللذة على الموضوع وأصبحنا نراها فيه. الجمال إذن ليس في العالم الخارجي المستقل عنا ولا هو مجرد انفعال داخلي بحت، بل هو اللقاء بين الاثنين حين تتحول لذتنا إلى صفة نُضفيها على ما نرى."¹

تكمن قيمة هذه الأطروحة في تجاوزها الثنائية العقيمة بين الموضوعية والذاتية وتفسيرها بدقة ظاهرة يعرفها كل إنسان وهي أننا نقول "هذا جميل" لا "أنا أُحب هذا"، مما يكشف أن الحكم الجمالي يحمل بُعداً يتجاوز مجرد التفضيل الشخصي. وتتمثل حدودها في أنها تبقى صامتة عن السؤال الذي سيطرحه بورديو: من أين جاءت هذه اللذة التي نُسقطها؟ وهل هي بريئة أم مُشكَّلة بعوامل خارجة عن وعينا؟

موقف بيير بورديو Pierre Bourdieu (1930 - 2002)

لا يُنكر بورديو أن التجربة الجمالية حقيقية وعميقة. لكنه يرفض أن تكون بريئة. ما يبدو لذة تلقائية أمام لوحة أو موسيقى أو قصيدة هو في الحقيقة تاريخ مُجسَّد، سنوات من التعليم والتنشئة والانتماء الطبقي تحوّلت إلى ما يبدو شعوراً فطرياً طبيعياً.

سانتايانا يقول إننا نُسقط لذتنا على الموضوع. بورديو يسأل: لكن من علّمنا أن نشعر بهذه اللذة أمام هذا الموضوع بالذات؟ المعجب بلوحة دوشامب لم يُولد معجباً بها. تلقّى تعليماً فنياً معيناً وزار متاحف معينة وقرأ نقاداً معينين وانتمى إلى وسط اجتماعي معين حتى أصبحت لذته الجمالية هي ما هي. واللذة التي يُسقطها على اللوحة ليست لذة إنسانية كونية بل لذة طبقية مُكتسبة.

وهذا الذوق المُكتسب لا يبقى شخصياً بل يُستخدم كأداة للتمييز الاجتماعي. من يمتلك الذوق الرفيع يُصنَّف في خانة النخبة ومن لا يمتلكه يُوصم بالعامية. المتحف والحفل الموسيقي والمعرض ليست فضاءات محايدة بل مؤسسات تُعلّم الناس ما يجب أن يجدوه جميلاً وتُعيد إنتاج التفاوتات الطبقية في كل زيارة.

يقول بورديو في التمييز: "الذوق ليس حكماً فطرياً بل هو نتاج التربية والتنشئة الطبقية. فما نعتبره ذوقاً رفيعاً هو في الواقع مجموعة من التصنيفات والتمييزات التي تكرس الفروق الاجتماعية. المتحف والحفل الموسيقي والمعرض كلها فضاءات لإنتاج وإعادة إنتاج التمييز الطبقي. الحساسية الجمالية التي تبدو طبيعية هي في الحقيقة تاريخية واجتماعية وهي تخدم كأداة للتمييز بين الشرائح الاجتماعية. الذوق يصنع الفروق وهذه الفروق تصنع الهوية الطبقية."²

تشكّل هذه الأطروحة نقداً جذرياً لأي ادعاء ببراءة اللذة الجمالية أو عفويتها عبر كشفها كيف يعمل الذوق كآلية للتمييز الطبقي وإعادة إنتاج التفاوتات الاجتماعية. وتتمثل حدودها في أن هذا التحليل الاجتماعي الشامل قد يختزل الجمالي في الاجتماعي كلياً متجاهلاً أن اللذة الجمالية قد تحمل بُعداً إنسانياً حقيقياً لا يُردّ بالكامل إلى الطبقة والتنشئة.

الخلاصة التركيبية

لوحة دوشامب لا تزال معلقة في المتاحف. ولا يزال بعضهم يراها عبقرية وبعضهم يراها فارغة. وكلاهما يعيش لذة أو نفوراً حقيقياً.

يرى سانتايانا أن كلا الحكمين صادق لأن كل واحد يعيش لذته الخاصة ويُسقطها على الموضوع. الاختلاف ليس خطأ بل تعدد في الذوات التي تلتقي بالموضوع نفسه. ويرى بورديو أن هذه اللذة التي يُسقطها كل واحد ليست بريئة بل هي نتاج تنشئة طبقية تعمل بصمت وتُقدّم نفسها كطبيعة فطرية.

يكشف هذا التقابل أن السؤال الحقيقي عن الجمال ليس أين يوجد بل من أين يأتي الشعور به. فإذا كانت اللذة الجمالية مُسقطة على الموضوع كما يقول سانتايانا فالسؤال الذي يطرحه بورديو يظل ملحاً: هل أنت من اختار أن يشعر بهذه اللذة أم أن المجتمع اختار ذلك نيابة عنك دون أن تشعر؟

يظل التساؤل مفتوحاً: هل يمكن للإنسان أن يُطوّر ذوقاً جمالياً حقيقياً يتجاوز تنشئته الطبقية؟ أم أن كل تمرد جمالي يظل هو الآخر مُشكَّلاً بسياق اجتماعي لم يختره؟

المراجع

¹ Santayana, G. (1896). The Sense of Beauty. Charles Scribner's Sons.

² Bourdieu, P. (1979). La Distinction : Critique sociale du jugement. Éditions de Minuit.