

التمهيد
في عام 1953 اكتشف واتسون وكريك البنية الحلزونية المزدوجة للحمض النووي ADN. كان الاكتشاف علمياً بامتياز: رغبة في فهم سر الحياة والوراثة. لكن هذا الاكتشاف لم يبق حبيس المختبرات النظرية. في غضون عقود تحوّل إلى تقنيات هندسة جينية وزراعة معدّلة وأدوية مصنّعة وتشخيص جنائي وتجارب استنساخ. واليوم تتساءل شركات كبرى: هل يمكننا تعديل الجينوم البشري؟ لا لأن ثمة حاجة واضحة بل لأن الإمكان التقني أصبح متاحاً.
لم يتغير العلم في جوهره. لكن علاقته بالتقنية تغيرت تغيراً جذرياً. لم تعد التقنية تنتظر العلم ليُقدّم لها معرفة جاهزة تُطبّقها. أصبح العلم نفسه يحتاج التقنية ليتقدم، والتقنية تفرض على العلم أسئلتها وأولوياتها ومصالحها.
وهنا تنبثق الإشكالية: ما طبيعة العلاقة بين العلم والتقنية اليوم؟ هل هي علاقة تبعية بسيطة حيث تظل التقنية مجرد تطبيق للمعرفة العلمية؟ أم أنها علاقة اندماج جذري حيث يسيطر المنطق التقني على مسار العلم وغاياته؟
موقف إدغار موران Edgar Morin (1921 - 2026)
لا يرى موران في العلم نشاطاً نقياً معزولاً عن المجتمع بل يراه طرفاً في دائرة معقدة. يبدأ العلم باستكشاف موضوعاته عبر التجريب، لكن التجريب يستلزم تقنيات، والتقنيات تحتاج تمويلاً، والتمويل يأتي من مؤسسات اقتصادية ودول لها مصالحها وأهدافها. وهكذا لم تعد التقنية مجرد نتاج للعلم بل أصبحت شرطاً لوجوده، والعلم لم يعد بريئاً من قوانين السوق والسلطة.
ما يُميّز تحليل موران هو رصده لهذه الدائرة المغلقة: التقنيات التي ينتجها العلم تُحوّل المجتمع، والمجتمع التكنولوجي الذي نشأ يُحوّل العلم نفسه بأسئلة جديدة وأولويات جديدة وقيود جديدة. لم يعد ممكناً الحديث عن علم مستقل أو تقنية محايدة. هما وجهان لقوة واحدة تُشكّل مصير البشرية وتُدار في نهاية المطاف بمصالح الربح والقوة.
يقول موران في العلم بوعي: "لم يعد العلم نشاطاً نقياً منفصلاً عن المجتمع بل أصبح جزءاً من دائرة معقدة حيث التقنية والاقتصاد والسياسة متشابكة بشكل لا انفصام له. التقدم التقني يغذي التقدم العلمي والتقدم العلمي يغذي التقدم التقني في حلقة تتحكم فيها مصالح القوة والربح. العلم الحديث لم يعد ذلك المشروع النظري المجرد بل أصبح قوة إنتاجية ومصدراً للسلطة. هذه السيرورة الدائرية تطرح أسئلة أخلاقية جوهرية عن مسؤولية العلم في عالم أصبحت فيه التقنية تحدد مصير البشرية."¹
تكمن قيمة هذه الأطروحة في كشفها الطابع المركّب للعلاقة بين العلم والتقنية وإظهارها أن استقلالية العلم وحياده المزعومان وهم تُديره مصالح خفية، مما يدعو إلى مساءلة أخلاقية جادة لمؤسسات البحث العلمي. وتتمثل حدودها في بقائها على مستوى التشخيص دون تقديم بديل عملي للخروج من هذه الدائرة المغلقة.
موقف جيلبير هوتوا Gilbert Hottois (1946 - 2019)
لا يكتفي هوتوا برصد التشابك بين العلم والتقنية والمجتمع. يذهب إلى ما هو أكثر إزعاجاً: التقنية الحديثة لم تعد خاضعة لإرادة الإنسان أو مراقبته الأخلاقية بل أصبحت تتطور وفق منطق داخلي خاص بها يمضي بطريقة آلية تلقائية.
اكتشاف الحمض النووي الوراثي كان مثالاً صارخاً على ذلك. لم يسأل أحد: هل نحتاج فعلاً إلى هندسة جينية؟ السؤال الوحيد الذي طُرح كان: هل نستطيع؟ وحين كان الجواب نعم تحوّل الإمكان التقني تلقائياً إلى واقع. هذا هو جوهر ما يُسمّيه هوتوا التحوّل التقني: لم تعد الحاجة ولا الأخلاق هي المعيار بل أصبح الإمكان وحده هو المشروعية. التقنية لا تسأل لماذا بل فقط هل يمكن. وحين لا تعود ثمة رقابة أخلاقية تُوقفها عند الممكن تُصبح الإنسانية متفرجة على آلة لا تتوقف.
يقول هوتوا: "التقنية لم تعد أداة في يد الإنسان بل أصبحت نظاماً مستقلاً بذاته يفرض منطقه الخاص على المجتمع. نحن لم نعد نسيطر على التطور التقني بل أصبحنا مجرد متفرجين على عملية تتطور ذاتياً. السؤال لم يعد لماذا نطور التقنية بل أصبح كيف نواكب تطورها. هذه الاستقلالية التقنية تهدد بتقويض قدرة الإنسان على التوجيه الأخلاقي وتحولنا إلى مجرد تروس في آلة لا نتحكم فيها."²
تتجسد قيمة هذه الأطروحة في كشفها الخطر الأعمق للتقنية المعاصرة وهو ليس ما تنتجه بل منطقها الذاتي الذي يتجاوز الإرادة الإنسانية ويجعل السيطرة الأخلاقية على التطور التقني أمراً متزايد الصعوبة. وتتمثل حدودها في أنها قد تبالغ في حتمية هذا المنطق متجاهلةً إمكانيات المقاومة والتوجيه الأخلاقي التي لا تزال متاحة للمجتمعات حين تمتلك الوعي والإرادة السياسية الكافية.
الخلاصة التركيبية
هل كان واتسون وكريك يعلمان حين اكتشفا ADN عام 1953 أن اكتشافهما سيتحول إلى صناعة بمليارات الدولارات وإلى أسئلة أخلاقية لم يكن أحد مستعداً لها؟
يرى موران أن العلم والتقنية أصبحا طرفين في دائرة واحدة تُديرها مصالح الاقتصاد والسلطة، وأن العلم فقد براءته النظرية ليصبح قوة إنتاجية في خدمة من يموّله. ويرى هوتوا أن الأمر أخطر من ذلك إذ أصبح المنطق التقني نفسه يسير بقوة ذاتية تتجاوز أي إرادة بشرية وتجعل الإمكان وحده معياراً للمشروعية.
يكشف هذا التقابل أن السؤال الحقيقي عن العلاقة بين العلم والتقنية لم يعد سؤالاً عن الأسبقية بل سؤال عن السيطرة: من يُوجّه من؟ وهل لا يزال بمقدور الإنسان أن يُقرّر إلى أين تمضي هذه الآلة؟
يظل التساؤل مفتوحاً: في عالم يصبح فيه الإمكان التقني وحده مشروعية الفعل، هل ما يزال بإمكان الأخلاق أن تقول لا؟
المراجع
¹ Morin, E. (1982). Science avec conscience. Éditions du Seuil.
² Hottois, G. (2004). La Technique comme système autonome. Éditions du Seuil.