

التمهيد
في عام 1913 افتتح هنري فورد أول خط إنتاج متحرك في مصنعه بديترويت. كانت الفكرة بسيطة وعبقرية في الوقت نفسه: بدل أن يصنع عامل واحد سيارة كاملة، يقف كل عامل في مكانه ويُنجز مهمة واحدة بعينها بينما تمر السيارة أمامه على الحزام المتحرك. النتيجة كانت مذهلة: انخفض وقت تصنيع السيارة من اثنتي عشرة ساعة إلى ساعة وثلث. وانخفض ثمنها حتى أصبح في متناول العمال أنفسهم.
لكن عمال فورد وصفوا تجربتهم بكلمات أخرى. قال أحدهم: "أنا أُركّب المقبض الأيسر للباب طوال اليوم. لا أعرف ما الذي يسبقه ولا ما الذي يليه. لا أرى السيارة. أرى فقط مقبضاً يأتي وأُركّبه ويمضي." المجتمع ربح سيارات أكثر. لكن هذا العامل خسر شيئاً يصعب تسميته.
يُعدّ تقسيم الشغل أحد الركائز الأساسية التي يقوم عليها التنظيم الاقتصادي والاجتماعي في العصر الحديث. فبدلاً من أن يقوم الفرد بعملية الإنتاج بأكملها تُجزّأ هذه العملية إلى مهام بسيطة ومحددة مما يؤدي إلى زيادة الكفاءة والإنتاجية. لكن هذه الزيادة ليست مجانية. وهنا تنبثق الإشكالية: ما الأبعاد والآثار الحقيقية لتقسيم الشغل على الفرد والمجتمع؟ وهل يؤدي بالضرورة إلى الاغتراب وتفتيت الذات الإنسانية؟ أم أنه يُشكّل أساساً لتضامن اجتماعي عضوي يضمن ترابط المجتمع الحديث؟
موقف إميل دوركايم Émile Durkheim (1858 - 1917)
لا يرى دوركايم في خط إنتاج فورد مشهداً للاغتراب بل يرى فيه نموذجاً للتحول العميق في طبيعة الترابط الاجتماعي. صحيح أن كل عامل لا يصنع سيارة كاملة، لكن كل عامل أصبح ضرورياً لكل الآخرين. من يُركّب المحرك يحتاج من يُركّب العجلات، ومن يُركّب العجلات يحتاج من يُركّب الهيكل. هذا الاعتماد المتبادل ليس ضعفاً بل هو الشكل الجديد للتضامن في المجتمعات الحديثة.
يُميّز دوركايم بين نوعين من التضامن. في المجتمعات التقليدية البسيطة يسود التضامن الآلي القائم على التشابه، حيث يُشبه الأفراد بعضهم لأنهم يشاركون نفس القيم ونفس الأعمال ونفس طريقة الحياة. أما في المجتمعات الحديثة المعقدة فيسود التضامن العضوي القائم على الاختلاف والتكامل. كأعضاء الجسم الواحد كل عضو مختلف عن الآخر وهذا الاختلاف بالذات هو ما يجعلهم جميعاً يحتاج بعضهم بعضاً. تقسيم العمل لا يُفتّت المجتمع بل يُعيد بناء تماسكه على أساس جديد.
يقول دوركايم في تقسيم العمل الاجتماعي: "تقسيم العمل لا يزيد من الإنتاجية فحسب، بل يخلق تضامناً عضوياً بين الأفراد. فبدلاً من أن يرتبط الناس بتشابههم كما في المجتمعات التقليدية أصبحوا يرتبطون باختلافهم وتكاملهم. كل مهنة، كل تخصص، يصبح ضرورياً للكل مما يخلق شبكة من الاعتماد المتبادل. هذا الشكل الجديد من التضامن هو أساس المجتمع الحديث، وهو ما يجعل من الفرد كائناً مستقلاً وفي نفس الوقت مرتبطاً عضوياً بالجماعة."¹
تكمن قيمة هذه الأطروحة في تحليلها البنائي لتقسيم العمل وكشفها أنه لا يُفكّك الروابط الاجتماعية بل يُعيد صياغتها على أساس التكامل لا التشابه، مما يُفسّر كيف تظل المجتمعات الحديثة المعقدة متماسكة رغم تعدد تخصصاتها وتباين أفرادها. وتتمثل حدودها في أنها قد تبالغ في انسجام مصالح أطراف الإنتاج متجاهلةً أن التخصص المفرط قد يُنتج عزلة الفرد وانفصاله عن المنتج النهائي وعن معنى عمله.
موقف هاري برايفرمان Harry Braverman (1920 - 1976)
لا يُنكر برايفرمان أن تقسيم العمل يُنتج وفرة وكفاءة. لكنه يكشف ما يخفيه هذا الإنجاز: تجريد العامل التدريجي من معرفته ومهارته وسيطرته على عمله. حين يُقسَّم عمل الحرفي الذي كان يصنع حذاءً كاملاً إلى اثنتي عشرة خطوة بسيطة يتوزعها اثنا عشر عاملاً، لا يكتسب كل عامل خبرة جزئية فحسب بل يفقد المعرفة الكلية بالعملية. والمعرفة التي فقدها العمال لم تختفِ بل انتقلت إلى الإدارة.
هذا هو جوهر ما يسميه برايفرمان تفكيك المهارات. الإدارة العلمية لا تهدف فقط إلى الكفاءة بل تهدف إلى الفصل الكامل بين التخطيط والتنفيذ، أي بين التفكير والفعل. العامل ينفّذ، والإدارة تُفكر وتتحكم. والنتيجة أن العامل الذي كان يمتلك حرفة تربطه بعمله وبمنتجه وبكرامته المهنية أصبح ملحقاً بآلة لا يفهمها ولا يتحكم فيها ولا يرى في ما تُنتجه امتداداً لذاته.
يقول برايفرمان في العمل والرأسمالية الاحتكارية: "الإدارة العلمية للعمل لا تهدف إلى زيادة الكفاءة فحسب، بل إلى تجريد العامل من سيطرته على عملية العمل. فبتقسيم العمل إلى مهام بسيطة ومتكررة تُنتزع المعرفة من العامل وتُمركز في أيدي الإدارة. هذه العملية تحول العامل من حرفي مبدع إلى مجرد ملحق بالآلة وتفصله عن فهم العملية الإنتاجية ككل. الهدف النهائي هو تحويل العمل إلى نشاط آلي يمكن التحكم فيه ومراقبته مما يعمق اغتراب العامل عن عمله وعن ذاته."²
تشكّل قيمة هذه الأطروحة في نقدها الجذري للانسجام المزعوم لأطراف الإنتاج وكشفها أن تقسيم العمل في ظل الرأسمالية ليس مجرد تقنية لرفع الكفاءة بل استراتيجية لمركزة السلطة والمعرفة في يد الإدارة على حساب العامل. وتتمثل حدودها في أنها قد تبالغ في حتمية هذه النتائج متجاهلةً إمكانيات مقاومة العمال وظهور أشكال جديدة من المهارات والتخصصات في سياق التقنيات الحديثة.
الخلاصة التركيبية
عامل فورد الذي يُركّب المقبض الأيسر للباب طوال يومه يُجسّد التوتر الذي كشفه الموقفان معاً. دوركايم يرى فيه حلقة ضرورية في شبكة التضامن العضوي التي تُمسك المجتمع الحديث، ويرى في اعتماد زملائه عليه شكلاً جديداً من الانتماء. وبرايفرمان يرى فيه إنساناً جُرِّد تدريجياً من معرفته ومهارته وعلاقته بمنتج عمله وحُوِّل إلى أداة تنفيذ في يد إدارة تحتكر التفكير.
يرى دوركايم أن تقسيم العمل يُعيد بناء الترابط الاجتماعي على أساس التكامل بين المختلفين لا التشابه بين المتماثلين. ويرى برايفرمان أن هذا التقسيم في ظروف الرأسمالية يُفكّك المهارات ويُمركز المعرفة ويُعمّق اغتراب العامل عن عمله وعن ذاته.
يكشف هذا التقابل أن تقسيم العمل ظاهرة ذات وجهين لا يمكن الفصل بينهما: وجه اجتماعي يُنتج التضامن والكفاءة، ووجه إنساني قد يُنتج الاغتراب وفقدان المعنى. والسؤال الذي يظل مفتوحاً: هل يمكن للمجتمع أن يحقق الكفاءة التي يمنحها تقسيم العمل دون أن يدفع الإنسان ثمنها من كرامته ومعنى عمله؟
المراجع
¹ Durkheim, É. (1893). De la division du travail social. Presses Universitaires de France.
² Braverman, H. (1974). Travail et capitalisme monopoliste. Éditions François Maspero.