
التمهيد
في عام 1818 وُلد في مدينة ترير الألمانية طفل اسمه كارل ماركس. في نفس العام كان في باريس آلاف العمال يعملون اثنتي عشرة ساعة يومياً في المصانع التي أنجبتها الثورة الصناعية. لم يكونوا عبيداً بالمعنى القانوني. كانوا أحراراً في أن يرفضوا العمل. لكنهم كانوا أحراراً أيضاً في أن يجوعوا.
حين كبر ماركس وقرأ هيجل وجد في كتاباته فكرة أضاءت له هذا التناقض: العمل في جوهره تحرر. العبد الذي يشتغل يُحوّل الطبيعة ويُحوّل نفسه ويكتسب وعياً بقدرته وقوته، بينما السيد الذي لا يعمل يتدهور تدريجياً لأنه يعتمد على غيره. لكن ماركس نظر إلى عمال باريس وتساءل: إذا كان العمل تحريراً فلماذا يبدو هؤلاء أكثر عبودية من أي وقت مضى؟
يُمثّل الشغل قوة محورية في تشكيل الوجود الإنساني، فهو ليس مجرد نشاط اقتصادي بل فعل وجودي يحدد علاقة الإنسان بذاته وبالآخرين وبالطبيعة.¹ لكن هذا الفعل الوجودي يحمل في طياته توتراً عميقاً لا يُحسم بسهولة. هل الشغل في جوهره شرط للتحرر والإبداع الإنساني وأداة يُصقل بها الإنسان وجوده؟ أم أنه يتحوّل في ظروفه الاجتماعية المعاصرة إلى استلاب وعبودية يمنعان الإنسان من الوصول إلى حريته الأصيلة؟

موقف هيجل Georg Wilhelm Friedrich Hegel (1770 - 1831)
ينطلق هيجل من صورة فلسفية مذهلة في بساطتها وعمقها في الوقت نفسه: لحظة المواجهة الأولى بين إنسانين. كل منهما يريد أن يُثبت وجوده وقيمته في عيني الآخر. هذه الرغبة في الاعتراف تُفضي إلى صراع، وينتهي الصراع بانتصار أحدهما وخضوع الآخر. الأول يصبح سيداً والثاني عبداً.
لكن هيجل يكشف مفارقة عميقة: السيد الذي انتصر يبدو في وضع أفضل لكنه في الحقيقة يبدأ في التراجع. لأنه لا يعمل ولا يُحوّل الطبيعة ولا يكتسب وعياً بقدرته. يستهلك فقط. أما العبد الذي يعمل ويُحوّل المواد الخام إلى أشياء فإنه يضع بصمته في العالم ويرى قدرته مُجسَّدة في المنتج. العمل يُنمّي وعيه ويكشف له طاقاته ويمنحه في النهاية قوة السيطرة على الطبيعة ثم على السيد نفسه الذي بات يعتمد عليه كلياً.
وهذه المفارقة ليست بعيدة عن حياة المراهق اليوم. اسأل نفسك: من يتحكم في علاقتك بهاتفك، أنت أم الهاتف؟ في البداية اشتريته ليخدمك. لكن الآن لا تستطيع النوم دون أن تتحقق منه، ولا تنتظر دقيقة واحدة دون أن تفتحه. من أصبح السيد ومن أصبح العبد؟ هذا بالضبط ما يقوله هيجل: من يستهلك فقط دون أن يعمل ويُنتج يصبح تدريجياً عبداً لما يستهلكه. العمل إذن ليس لعنة بل هو طريق التحرر الوحيد.
يقول هيجل في فينومينولوجيا الروح: "العمل هو الوسيط الذي يتحقق من خلاله الوعي البشري. فمن خلال العمل يحول العبد العالم الطبيعي ويحول نفسه في الوقت نفسه. بينما يظل السيد عالقاً في علاقة استهلاكية مباشرة مع الأشياء يطور العبد من خلال العمل وعياً ذاتياً وقدرة على التحكم في الطبيعة. هذه العملية التكوينية هي التي تمكن العبد في النهاية من تحقيق حريته بينما يصبح السيد عبداً لاعتماده على عمل العبد. العمل ليس مجرد نشاط اقتصادي بل هو أداة التحرر والارتقاء الإنساني."¹
تكمن قيمة هذه الأطروحة في كشفها البعد التحرري للعمل وإظهارها أن الإنسان لا يكتسب وعيه وحريته بالتأمل بل بالفعل والتحويل، وأن العمل هو المسار الذي يُثبت فيه الإنسان وجوده ويبني ذاته. وتتمثل حدودها في أنها رؤية تصف ما يجب أن يحدث منطقياً لكنها تفترض أن المنطق يسير وحده حتى نهايته، متجاهلةً أن أنظمة السيطرة الذكية لا تنتظر العبد حتى يكتسب وعيه بل تحول دون ذلك بأدوات أكثر خفاءً من السلاسل.
موقف كارل ماركس Karl Marx (1818 - 1883)
لا يرفض ماركس هيجل بل يُعيد قراءته على ضوء الواقع الرأسمالي المحيط به. يقبل الفكرة الجوهرية: العمل في طبيعته الأصيلة تحويل وتحرر. لكنه يرفض أن يبقى هذا الكلام في مستوى الفلسفة المجردة بينما عمال المصانع يعيشون واقعاً مختلفاً تماماً.
في ظل الرأسمالية يبيع العامل قوة عمله لصاحب العمل. ما ينتجه لا يعود له. لا يستطيع أن يقرر كيف يعمل ولا ماذا يُنتج ولا كيف يُوزَّع ما أنتج. هذا الانفصال التام بين العامل وعمله وبين العامل ومنتجه هو ما يُسميه ماركس الاستلاب. حين كان الحرفي يصنع حذاءً كاملاً كان يرى نفسه في الحذاء ويشعر بأنه امتداد لذاته. أما عامل المصنع الذي يُنجز خطوة واحدة في عملية لا يرى بدايتها ولا نهايتها فقد فُصل فصلاً عنيفاً عن جوهره.
والأخطر من ذلك أن الاستلاب في المجتمع الرأسمالي لا يعمل بالسلاسل بل بالإقناع. العامل يُقنَع بأن وضعه طبيعي وأنه يستحق ما يحصل عليه وأن النظام عادل. تماماً كمستخدم الهاتف الذي لا يشعر بأنه عبد للشاشة لأن عبوديته اختيارية وممتعة. وهذا هو الاستلاب الأعمق: حين لا تشعر بالقيود لأنك أقنعت نفسك بأنها حرية.
يقول ماركس في مخطوطات 1844: "العمل في ظل الرأسمالية يصبح نشاطاً مستلباً حيث يُجرد العامل من جوهره الإنساني. فهو لا ينتمي إلى ذاته أثناء العمل بل إلى شخص آخر. العمل الذي يجب أن يكون تأكيداً للكينونة البشرية يصبح مجرد وسيلة للبقاء. العامل يشعر بنفسه حراً فقط في وظائفه الحيوانية، الأكل والشرب والتكاثر، بينما في وظائفه البشرية يشعر بأنه حيوان. ما هو حيواني يصبح إنسانياً وما هو إنساني يصبح حيوانياً."²
تتجلى قيمة هذه الأطروحة في تطويرها النقدي لفكرة هيجل التحررية وكشفها كيف يُحوّل نمط الإنتاج الرأسمالي العمل من نشاط إبداعي إلى أداة لاستلاب الإنسان عن جوهره، مما يضع إصبعاً على الجرح الأساسي في المجتمعات الحديثة. وتتمثل حدودها في أنها قد تغمط إمكانيات المقاومة وإعادة التملك التي لا تزال متاحة للعمال، ولا تأخذ بعين الاعتبار أشكال العمل التي لا تخضع للمنطق الرأسمالي.
الخلاصة التركيبية
عامل المصنع في باريس عام 1844 ومستخدم الهاتف في 2026 يبدوان متباعدَين. لكن هيجل وماركس يكشفان أنهما يعيشان نفس الديناميكية بأشكال مختلفة.
يرى هيجل أن العمل هو المسار الذي يكتسب فيه الإنسان وعيه ويبني فيه ذاته ويتحرر فيه من سيطرة الطبيعة ومن سيطرة السيد. من يعمل ويُنتج ويُحوّل يملك في النهاية القوة الحقيقية. ويرى ماركس أن هذه الحقيقة الجوهرية قد قلبها النظام الرأسمالي رأساً على عقب، فصار العمل الذي كان يجب أن يُحرر العامل هو ذاته أداة استلابه، والأخطر أن هذا الاستلاب يُقدَّم في صورة حرية.
يكشف هذا التقابل أن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان العمل تحريراً أم استلاباً في مطلقه، بل في أي شروط يكون أحدهما أو الآخر. العمل الذي يرى فيه الإنسان ذاته ويتحكم في مساره ويمتلك نتيجته هو ما وصفه هيجل. والعمل الذي يُجرَّد فيه الإنسان من كل هذا مع إقناعه بأنه حر هو ما كشفه ماركس.
يظل التساؤل مفتوحاً: في عالم تتسارع فيه الأتمتة والذكاء الاصطناعي ويتراجع فيه الاحتياج إلى عمل الإنسان، هل سيكتسب الإنسان أخيراً الحرية التي وعد بها هيجل؟ أم أن فقدان العمل سيعني فقدان المعنى أيضاً؟
المراجع
¹ Hegel, G. W. F. (1807). Phénoménologie de l'esprit. Éditions Gallimard.
² Marx, K. (1844). Manuscrits de 1844. Éditions Sociales.