
التمهيد
في عام 1954، أجرى عالم النفس الأمريكي موزفر شريف تجربة أصبحت من أشهر التجارب في تاريخ علم الاجتماع. أخذ مجموعة من الأولاد في سن الحادية عشرة إلى مخيم صيفي في غابة روبرز كيف بولاية أوكلاهوما. لم يكن أيٌّ منهم يعرف الآخرين من قبل.
في الأسبوع الأول قسّمهم إلى مجموعتين منفصلتين دون أن تعلم إحداهما بوجود الأخرى. في غضون أيام قليلة فقط أطلقت كل مجموعة على نفسها اسماً، ووضعت قواعد داخلية، وصنعت أعلاماً، وطوّرت هويةً مشتركة. لم يطلب منهم أحد ذلك.
في الأسبوع الثاني أدخل المجموعتين في تماس. سرعان ما نشأ التنافس ثم العداء. لكن حين واجههم بمشكلة مشتركة، شاحنة ماء معطلة يحتاجون جميعاً إلى إصلاحها، تعاونوا وتلاشى العداء تدريجياً.
كشفت هذه التجربة شيئاً مزدوجاً: الأولاد صنعوا مجتمعاتهم الصغيرة بأنفسهم، لكن هذه المجتمعات بدورها صنعتهم وشكّلت هوياتهم وقراراتهم بطريقة لم يختاروها. من صنع من؟
الفرد كلمة مشتقة من اللاتينية Individuum وتعني ما لا يمكن تقسيمه، أي الوحدة الأساسية التي لا تتجزأ. والمجتمع مشتق من Societas أي التشارك والتقاسم، وهو مجموعة من الكائنات البشرية كوّنت علاقات دائمة وتعيش تحت قوانين وأشكال مشتركة للحياة.¹ لكن حين نضع هذين المفهومين وجهاً لوجه تنبثق إشكالية لم تحسمها الفلسفة بعد.
هل الفرد سابق على المجتمع فيكون المجتمع أداةً في خدمته، أم المجتمع أسبق فيكون الفرد نتاجاً له لا يعرف ذاته إلا به؟ ما طبيعة العلاقة بين الفرد والمجتمع؟ وهل الفرد أسبق وجودياً والمجتمع مجرد وسيلة لتحقيق أهدافه، أم أن المجتمع أسبق وهو الذي يُنشئ الفرد ويُملي عليه واجباته وهويته؟

موقف إميل دوركايم Émile Durkheim (1858 - 1917)
لا يرى دوركايم في المجتمع مجرد مجموع أفراده بل يراه حقيقة مستقلة تعلو على الأفراد وتُشكّلهم. والدليل على ذلك أن المجتمع يمتلك قيماً وضمائر وأنماط سلوك تسبق كل فرد وتبقى بعد رحيله. لكن الأهم في نظره أن العلاقة بين الفرد والمجتمع لا تبقى ثابتة بل تتحول تاريخياً بطريقة يمكن رصدها وتحليلها.
في المجتمعات البدائية البسيطة يسود ما يُسمّيه التضامن الآلي: يتشابه الأفراد في قيمهم ومشاعرهم وما يقدّسونه، ويذوب كل فرد في ضمير جماعي قوي يوحّدهم ويضبطهم. التماسك هنا قائم على التشابه، ومن يخرج عنه يُعدّ خطراً على الجماعة. لكن مع توسع المجتمعات وتزايد الكثافة السكانية، يتطور تقسيم العمل ويتمايز الأفراد وتتخصص وظائفهم. وهنا يظهر نوع آخر من التضامن يُسمّيه العضوي: لا يعود أساسه التشابه بل التكامل بين وظائف مختلفة كأعضاء الجسم الواحد. الطبيب يحتاج المعلم ويحتاجه، والمهندس يحتاج الفلاح ويحتاجه. الوحدة هنا قائمة على الاختلاف لا التشابه، وتحل قيم مجردة كالعدالة والكرامة محل الضمير الجماعي القديم.
يقول دوركايم في تقسيم العمل الاجتماعي: "المجتمعات تنتقل من التضامن الآلي حيث يتشابه الأفراد ويخضعون لضمير جماعي قوي إلى التضامن العضوي حيث يتمايز الأفراد عبر تقسيم العمل ويصبحون مكملين لبعضهم. هذا الانتقال ليس انحلالاً للروابط الاجتماعية بل تحولاً في طبيعتها. ففي المجتمعات الحديثة لم يعد التشابه هو أساس التماسك بل التكامل بين الوظائف المختلفة. تقسيم العمل لا يضعف الضمير الجمعي بل يحوله من وعي مشترك إلى قيم مجردة كالعدالة والكرامة الإنسانية."²
تكمن قيمة هذه الأطروحة في تقديمها إطاراً تفسيرياً دقيقاً لفهم تحولات التماسك الاجتماعي عبر التاريخ، إذ تُفسّر كيف تتغير طبيعة الرابط بين الفرد والمجتمع مع تعقد الحياة الاجتماعية دون أن ينهار هذا الرابط. وتتمثل حدودها في مبالغتها في ثنائية النموذجين، إذ تستمر عناصر التضامن الآلي كالهويات الدينية والعرقية حتى في أكثر المجتمعات الحديثة حداثةً، مما يُضعف من صرامة التقسيم الثنائي.
موقف نوربرت إلياس Norbert Elias (1897 - 1990)
يرفض إلياس السؤال ذاته: أيهما أسبق الفرد أم المجتمع؟ ويرى أن هذا السؤال يفترض خطأً مسبقاً، وهو أن الفرد والمجتمع كيانان منفصلان يمكن أن يوجد أحدهما قبل الآخر. لكن الواقع التاريخي والنفسي يكشف أنهما لم ينفصلا أصلاً.
يستخدم إلياس تشبيهاً يُوضّح مقصده: الفرد في المجتمع كالعقدة في شبكة. العقدة لا توجد قبل الشبكة ولا الشبكة قبل العقدة، بل هما يُعرَّفان معاً ويتشكّلان معاً. وما يُسمّيه التطور الحضاري ليس إلا عملية تشكيل متبادل ومستمر: المجتمع يُشكّل الفرد عبر قواعده وتوقعاته وأنماط سلوكه، والفرد يُشكّل المجتمع عبر قراراته وتمرده وابتكاره. ليس أحدهما سبباً والآخر نتيجة، بل هما وجهان لعملية واحدة تجري في آنٍ واحد.
يقول إلياس في ديناميكية الغرب: "لا يمكن فهم الفرد بمعزل عن الشبكة الاجتماعية التي ينتمي إليها كما لا يمكن فهم المجتمع دون الأفراد الذين يشكلونه. هذه العلاقة الجدلية تخلق سيرورة مستمرة من التشكيل المتبادل. فالمجتمع ليس كياناً مجرداً فوق الأفراد بل هو نمط من الترابط يتجلى في سلوك كل فرد. كما أن الفرد ليس ذرة منعزلة بل هو عقدة في شبكة العلاقات الاجتماعية. التطور الحضاري هو عملية تشكيل متبادل بين البنى النفسية والبنى الاجتماعية."³
تتجلى قيمة هذه الأطروحة في تجاوزها الثنائية العقيمة بين الفردانية والجماعانية لتُقدّم بديلاً ديناميكياً يُظهر الفرد والمجتمع كوجهين لعملية تاريخية واحدة، مما يُفسّر كيف تتغير الشخصية الإنسانية مع تغير البنى الاجتماعية والعكس صحيح. وتتمثل حدودها في أن هذه الرؤية العلائقية الشاملة قد تفتقر إلى الحدة التحليلية الضرورية حين يُراد تحديد المسؤوليات وتقييم الأفعال في سياقات اجتماعية وسياسية محددة.
الخلاصة التركيبية
عاد أولاد مخيم روبرز كيف إلى بيوتهم في نهاية الصيف. كانوا قد صنعوا مجتمعاتهم الصغيرة وانتموا إليها ثم تجاوزوها حين اقتضت الضرورة. لا أحد منهم خرج من المخيم كما دخل.
يرى دوركايم أن المجتمع إطار أسبق يُشكّل الأفراد ويُحدّد علاقاتهم، وأن هذا التشكيل يتغير تاريخياً من تضامن التشابه إلى تضامن التكامل لكنه يظل دائماً سابقاً على الفرد وأقوى منه. ويرى إلياس أن هذه الأسبقية وهم تحليلي، وأن الفرد والمجتمع يتشكّلان في الوقت ذاته وبطريقة لا يمكن فصل أحدهما فيها عن الآخر دون تشويه كليهما.
يكشف هذا التقابل أن السؤال ليس نظرياً فحسب بل أخلاقي وسياسي بامتياز: إذا كان المجتمع أسبق وأقوى فهل للفرد أن يعترض على قيمه وقوانينه؟ وإذا كانا يتشكّلان معاً فمن يتحمل مسؤولية ما يُصبح عليه كل منهما؟
يظل التساؤل مفتوحاً: حين تُغيّر حركةٌ اجتماعية مجتمعَها أو حين يُغيّر مجتمعٌ فرداً فيه، من يصنع من؟
المراجع
¹ Rousseau, J.-J. (1762). Du contrat social. Éditions Flammarion.
² Durkheim, É. (1893). De la division du travail social. Presses Universitaires de France.
³ Elias, N. (1975). La Dynamique de l'Occident. Éditions Calmann-Lévy.