
يستيقظ الإنسان كل صباح مدفوعاً نحو شيء ما. قد يكون كوب قهوة أو وجه شخص أو هدف بعيد أو مجرد شعور غامض بأن ثمة شيئاً ينقصه. هذا الدفع الداخلي نحو ما ليس موجوداً بعد هو الرغبة، تلك الحالة الذهنية التي يُعبّر عنها الإنسان بأفعال من قبيل: أريد، أتمنى، آمل، أحب، أنجذب، أشتهي.
لا تنشأ الرغبة من فراغ. تتشابك في تكوينها عوامل بيولوجية كالجوع والنوم والغريزة، وعوامل نفسية كالحاجة إلى الاعتراف والأمان، وعوامل اجتماعية يرسمها المحيط والثقافة والتربية. وفي كل الأحوال تسعى الرغبة إلى شيء واحد: إحداث تغيير في الواقع من خلال الانجذاب نحو صورة ما تبدو جيدة أو ممتعة أو مُشبِعة.
حين ترغب فاطمة في كوب شاي، تقوم لتُعدّه، وتجد فكرة احتسائه ممتعة، وتشعر بضيق خفيف حين تفتقده، وتعود أفكارها مراراً إلى صورته. الرغبة إذن ليست مجرد خاطر عابر بل حالة تشمل التفكير والشعور والميل إلى الفعل في آنٍ واحد.¹
لكن هذا الوصف البسيط يخفي في طياته أسئلة فلسفية لم تنته النقاشات حولها:
يبدو أن الرغبة تنشأ أحياناً من حاجة حقيقية كالجوع والأمان، وأحياناً تتجاوز الحاجة إلى ما هو أبعد وأعمق. فما العلاقة بين الحاجة والرغبة، وهل تنتهي الرغبة حين تُشبَع الحاجة أم أنها تتجدد إلى ما لا نهاية؟²
وحين يُريد الإنسان شيئاً لكنه يرفض الانصياع لرغبته، يبدو أن ثمة قوة أخرى تقاوم الرغبة وتُوجّهها. فما العلاقة بين الرغبة والإرادة، وهل الإنسان سيد رغباته أم أسيرها؟³
وحين يحقق الإنسان ما أراد يجد أحياناً رضاً عميقاً وأحياناً فراغاً محيّراً. فما العلاقة بين إرضاء الرغبة وتحقيق السعادة، وهل السعادة في بلوغ ما نريد أم في شيء آخر تماماً؟⁴
المراجع
¹ Platon. (2018). Le Banquet. Éditions Flammarion.
² Spinoza, B. (1993). Éthique. Éditions de l'Éclat.
³ Hegel, G. W. F. (2006). Phénoménologie de l'Esprit. Éditions du Seuil.
⁴ Deleuze, G. (1999). Critique et clinique. Éditions de Minuit.