مجزوءة الإنسان

في عام 1828 ظهر فجأة في شوارع نورنبرغ الألمانية شاب لا يعرف من هو ولا من أين جاء. كان يمشي بصعوبة ولا يتكلم إلا بجمل بسيطة جداً وكان يبكي حين يرى الناس ويضحك حين يرى الأشجار. تبيّن لاحقاً أنه أمضى طفولته كلها محبوساً في حجرة مظلمة ضيقة بمعزل تام عن العالم. كان اسمه كاسبار هاوزر.

حين اندمج تدريجياً في المجتمع بدأ يكتسب اللغة والعواطف والذاكرة كأنه يولد من جديد. قال عنه الفيلسوف أنسيلم فون فويرباخ: "إنسان يُثبت أن الإنسان لا يصبح إنساناً إلا بين البشر."¹ أثارت قضيته سؤالاً قلق الفلاسفة منذ القدم: ما الذي يجعل الإنسان إنساناً حقاً؟ هل هو جسده البيولوجي؟ عقله؟ وعيه بذاته؟ رغباته التي تتجاوز الحاجة؟ انتماؤه إلى مجتمع يمنحه الهوية والأخلاق؟ حاول الفلاسفة عبر التاريخ الإجابة فعرّفه أرسطو بالعقل والاجتماع،² وسارتر بالحرية والمشروع.³ لكن كل تعريف مهما بدا شاملاً يُضيء جانباً ويُظلم جوانب أخرى في كائن لا يُختزل في صيغة واحدة.

تنفتح مجزوءة الإنسان على هذه الأسئلة من خلال ثلاثة مفاهيم محورية متشابكة. الوعي الذي يجعل الإنسان قادراً على التفكير في تفكيره والتساؤل عن وجوده. والرغبة التي تجعله يتجاوز الحاجة البيولوجية نحو ما لا ينتهي من المعنى والجمال والقيمة. والمجتمع الذي يُشكّله ويُشكّله في آنٍ واحد. [لمسلك الآداب والعلوم الإنسانية] تنضاف إلى هذه المفاهيم اللغة بوصفها النظام الرمزي الذي يُمكّن الإنسان من تجاوز اللحظة الراهنة وبناء عوالم من المعنى والتاريخ والتخيّل. والسؤال الذي يجمع هذه المفاهيم كلها هو السؤال الذي طرحته قضية كاسبار هاوزر: هل الإنسان معطى طبيعي يولد به، أم هو مشروع يُبنى ويُكتسب؟

المراجع

¹ Feuerbach, P. J. A. von. (1832). Kaspar Hauser, exemple d'un crime contre la vie de l'âme. Éditions Ansbach.

² Aristote. (2016). Politique. (P. Pellegrin, Trad.). Éditions Flammarion.

³ Sartre, J.-P. (1996). L'Existentialisme est un humanisme. Éditions Gallimard.