السؤال
هل يمكن للشغل أن يكون في آن واحد وسيلة للتحرر والاستعباد؟
مقترح التصحيح
أولاً — الفهم (4 نقط)
إدراك مجال السؤال وموضوعه (1 ن)
يتمحور هذا السؤال حول ثنائية التحرر والاستعباد في العمل، إذ يثير تساؤلاً عن كيفية تحول الشغل من أداة للارتقاء بالإنسان إلى وسيلة لتقييده؛ كما يحيل إلى الشروط التي تجعل من العمل ممارسة إبداعية أو عبئاً مفروضاً، ويتناول أبعاد هذه الإشكالية داخل الأنثروبولوجيا الفلسفية، بينما يتحدث عن الصراع الجوهري بين قيمة الفرد والضرورة الإنتاجية.
إبراز عناصر المفارقة والتقابل (2 ن)
يحمل السؤال توتراً فلسفياً حقيقياً. فالشغل يُعدّ فلسفياً الفعل الذي يُميّز الإنسان ويمنحه الكرامة والمعنى ويجعله فاعلاً لا مجرد كائن بيولوجي، غير أنه هو نفسه الفعل الذي تحوّل في الأنظمة الاقتصادية الحديثة إلى مصدر قهر واغتراب وفقدان للهوية. كيف يحمل النشاط الواحد هذين المتناقضين؟ وهل التناقض في جوهر الشغل أم في ظروف ممارسته؟
صياغة الأسئلة الموجهة (1 ن)
ما الشغل؟ وما الاغتراب؟ وما التحرر؟ وهل جوهر الشغل محرر بطبعه ويتحوّل إلى استعباد بفعل ظروف خارجية؟ أم أن بذرة الاستعباد كامنة فيه حتى في أفضل ظروفه؟ وما الشروط التي تجعله أحدهما دون الآخر؟
ثانياً — التحليل (5 نقط)
تحليل عناصر الإشكال وأسئلته الأساسية (2 ن)
يفترض السؤال موقفين متقابلين. الأول يرى أن الشغل في جوهره فعل تحرري لأنه يُمكّن الإنسان من تحويل الطبيعة وفق إرادته الحرة ومن رؤية ذاته في منتَجه ومن بناء العالم الحضاري. والثاني يرى أن الشغل في ظروفه الواقعية الراهنة مصدر استعباد لأنه يُفصل العامل عن نتاج عمله ويُحوّله إلى سلعة ويُقلص شخصيته إلى وظيفة أداتية. وبين الموقفين يقوم التساؤل: هل التناقض ظرفي قابل للتجاوز أم بنيوي ملازم للشغل؟
توظيف المعرفة الفلسفية الملائمة (2 ن)
يرى هيغل في جدلية السيد والعبد أن الشغل هو الطريق الذي يسلكه العبد للوصول إلى الوعي بذاته والتحرر من هيمنة الطبيعة، لأن العمل في المادة يُعيد الإنسان إلى نفسه واعياً بقدراته. غير أن ماركس يرد بأن هذا التحرر المنشود يتحوّل في الواقع الرأسمالي إلى اغتراب بنيوي، إذ يُفصل العامل عن منتَجه وعن فعل الإنتاج وعن جوهره الإنساني وعن زملائه، ولا يُستعاد هذا التحرر بالوعي الفردي بل بتغيير نظام الإنتاج ذاته.
البناء الحجاجي الفلسفي (1 ن)
الحجة الهيغلية تصف إمكانية الشغل في أمثل أحواله، والحجة الماركسية تصف واقعه في ظروف الاستغلال. وكلتاهما صحيحة لكنهما تصفان مستويين مختلفين، مما يعني أن الشغل بطبيعته إمكانية مفتوحة والسؤال الحقيقي ليس هل هو محرر أم مُستعبِد بل ما الشروط التي تُحوّل الإمكانية الأولى إلى واقع والثانية إلى استثناء.
ثالثاً — المناقشة (5 نقط)
مناقشة الأطروحات التي يفترضها السؤال (3 ن)
يُقدّم المدافعون عن الوجه التحرري للشغل أمثلة على شغل يمنح المعنى والكرامة كالعمل الإبداعي والحرفي والعلمي الذي يرى فيه صاحبه أثراً لذاته ومشروعاً حراً. وهذا الشغل لا يستعبد بل يُحرر من الفراغ والعدمية ويُجسّد الطاقة الإنسانية في العالم.
غير أن المنتقدين يردون بأن هذا النوع من الشغل يظل امتيازاً لقلة، وأن الأغلبية الساحقة تُمارس شغلاً لا تختاره ولا ترى فيه ذاتها. كما أن الشغل الحديث بكل أشكاله بات يتسلل إلى وقت الراحة والنوم والعلاقات الشخصية مُحوّلاً الإنسان كله إلى مورد إنتاجي لا وقت فراغ فيه.
فتح إمكانات أخرى للتفكير (2 ن)
يفتح هذا الإشكال سؤالاً حول ما إذا كان التحرر الحقيقي يمرّ بالشغل أم يستلزم التحرر منه. فبينما يرى البعض أن الشغل الحر هو غاية التحرر الإنساني يرى آخرون أن الوقت الحر من كل إنتاج هو الفضاء الوحيد الذي يكون فيه الإنسان غاية لا وسيلة، وهذا التوتر لا يُحسم فلسفياً بل يُعيد طرح السؤال عن معنى الحرية الإنسانية في جوهرها.
رابعاً — التركيب (3 نقط)
أثبت التحليل والمناقشة أن الشغل إمكانية وجودية مزدوجة لا حكم مطلق عليها، فهو قادر على أن يكون أرقى أشكال التعبير الإنساني حين يكون حراً مبدعاً مرتبطاً بغاية تتجاوز الضرورة، وقادر في الوقت نفسه على أن يكون أشد أشكال القهر إيلاماً حين يُجرَّد العامل من اختياره وكرامته وهويته. والأجدر فلسفياً هو القول بأن مفتاح التحرر لا يكمن في إلغاء الشغل ولا في تمجيده بل في استعادة شرط جوهري واحد: أن يبقى الإنسان غاية الشغل لا أداته.
الجوانب الشكلية (3 نقط): تماسك العرض، سلامة اللغة، وضوح الخط وعلامات الترقيم.