التمرين 03

النص

لطالما كان الشغل جزءاً لا يتجزأ من الوجود الإنساني، فهو فعل يُحوّل الطبيعة ويُشكّل الإنسان ذاته. لكن طبيعته ليست ثابتة، فقد شهدت تحولات أثارت تساؤلات عميقة حول علاقتها بتحرر الإنسان أو استعباده.

في الأنظمة الصناعية الحديثة يتحول الشغل إلى مصدر للاغتراب. يصبح العامل مُجبراً على أداء مهام روتينية مُجزأة منفصلاً عن المنتج النهائي ومتحولاً إلى مجرد أداة قابلة للاستبدال. هذا التجريد من المعنى يُقلص من حرية العامل ووعيه ويُحوّله إلى كائن مُستعبَد لضرورات الإنتاج.

لكن في المقابل يمكن للشغل أن يكون طريقاً للحرية والتحقق الذاتي. فعندما يكون نابعاً من إرادة واعية ومُوجَّهاً بغاية إبداعية فإنه يُتيح للإنسان فرصة للتعبير عن ذاته وتنمية قدراته. الشغل بهذا المعنى ليس مجرد وسيلة للبقاء بل هو فعل وجودي يُجسّد حرية الإنسان وقدرته على تجاوز ذاته والطبيعة. إن التحدي الفلسفي يكمن في فهم هذه الازدواجية: كيف يمكن للشغل أن يكون مصدراً للاغتراب، وفي الوقت نفسه طريقاً للحرية؟ وما الشروط التي تُحوّله من عبء إلى فعل إنساني محرر؟

حلل وناقش

مقترح التصحيح

أولاً — الفهم (4 نقط)

تحديد موضوع النص (1 ن)

يتناول النص الطبيعة الازدواجية للشغل الإنساني، كاشفاً عن التناقض بين إمكانيته كفعل تحرري يُحقق الذات ويُشكّلها، وواقعه كمصدر للاغتراب والاستعباد في ظل الأنظمة الصناعية الحديثة.

صياغة المفارقة والإشكال (2 ن)

تكمن المفارقة في أن الشغل الذي يُعدّ الفعل الأكثر تجسيداً لإنسانية الإنسان وحريته وقدرته على تحويل العالم قد يتحول في ظروف معينة إلى قيد يسلبه ذاته ويُحوّله إلى أداة في خدمة الإنتاج. ومن هنا يبرز الإشكال: هل الشغل في جوهره فعل تحرري يُجسّد إنسانية الإنسان، أم أنه مصدر اغتراب يُستعبده؟ وما الشروط التي تجعله أحدهما دون الآخر؟

صياغة الأسئلة الموجهة (1 ن)

ما الشغل؟ وما الاغتراب؟ وما التحقق الذاتي؟ وهل الاغتراب حالة نفسية يمكن تجاوزها بالوعي أم بنية اقتصادية تستلزم تغيير نظام الإنتاج؟ وما الشروط التي يصبح فيها الشغل فعل حرية لا قيد ضرورة؟

ثانياً — التحليل (5 نقط)

استخراج الأطروحة وشرحها (2 ن)

يرى صاحب النص أن الشغل يحمل ازدواجية وجودية متناقضة لا يمكن حلها بحكم مطلق، فهو في جوهره فعل تحويلي يُشكّل الإنسان ويمنحه معنى حين يكون واعياً إبداعياً، لكنه يتحول في الأنظمة الصناعية إلى آلية اغتراب حين تُجزَّأ مهامه وتُقطع صلة العامل بنتاج عمله، وأن التحدي الفلسفي يكمن في تحديد الشروط التي تُحوّله من أحدهما إلى الآخر.

تحليل الأفكار والمفاهيم والعلاقات بينها (2 ن)

يتضمن النص ثلاثة مفاهيم متشابكة. الشغل بوصفه فعلاً تحويلياً مزدوجاً يُحوّل الطبيعة ويُشكّل الإنسان ذاته في آن. والاغتراب الذي ينشأ حين تُجزَّأ المهام ويُفصل العامل عن نتاجه فيتحول من فاعل واعٍ إلى أداة قابلة للاستبدال. والتحقق الذاتي الذي يتحقق حين يكون الشغل نابعاً من إرادة حرة موجّهة بغاية إبداعية فيصبح فعلاً وجودياً لا مجرد ضرورة. وتجمع هذه المفاهيم علاقة جدلية تجعل الشغل إمكانية مفتوحة يحدد نتائجها السياق الذي تجري فيه.

تحليل البنية الحجاجية (1 ن)

اعتمد النص بنية جدلية تبدأ بتقرير أهمية الشغل في الوجود الإنساني ثم تعرض وجهه المظلم في الأنظمة الصناعية ثم تُقابله بوجهه التحرري حين تتوفر شروطه، وتنتهي بسؤال فلسفي مفتوح يطلب تحديد تلك الشروط.

ثالثاً — المناقشة (5 نقط)

إبراز قيمة الأطروحة وحدودها (3 ن)

قيمة الأطروحة تكمن في رفضها الحكم المطلق المؤيد أو الرافض للشغل، وفي ربطها بين طبيعة الشغل والسياق الاجتماعي والاقتصادي الذي يجري فيه. كما تُنبّه إلى أن الاغتراب ليس قدراً حتمياً بل حالة مرتبطة بشروط يمكن تغييرها.

غير أنها تواجه حدوداً مهمة. فهي تتجاهل الجهود التشريعية والنقابية التي خففت من حدة الاغتراب في مجتمعات كثيرة. كما أن التحديات الجديدة التي يفرضها الذكاء الاصطناعي والرقمنة تُضيف أشكالاً جديدة من الاغتراب الذهني والمعلوماتي لا تُعالجها الأطروحة.

الانفتاح على إمكانات أخرى للتفكير (2 ن)

يُقبل كل موقف فلسفي مدروس مربوط بالإشكالية، من بينها الموقف الذي يرى أن الشغل هو الذي يُعلّم الإنسان السيطرة على الطبيعة ويمنحه وعياً مستقلاً بذاته ومن ثم فهو مصدر تحرر بطبيعته لا بالشروط فحسب. ومن بينها أيضاً الموقف الذي يرى أن الاغتراب ليس حالة نفسية يكفي الوعي لتجاوزها بل بنية اقتصادية راسخة لا تتغير إلا بتغيير نظام الإنتاج ذاته وإعادة الملكية إلى منتجيها.

رابعاً — التركيب (3 نقط)

كشف النص عن الطبيعة الوجودية المزدوجة للشغل بوصفه إمكانية تحرر وإمكانية استعباد في آن، وتبقى قيمته في رفضه أي حكم مسبق ومطالبته بتحديد الشروط. والأجدر فلسفياً هو القول بأن الشغل يكون إنسانياً حقاً حين يُبقي للإنسان القدرة على التعرف على ذاته فيما يصنعه وعلى اختيار غايته، وحين تُسلب هذه القدرة لا يصبح الشغل وسيلة للبقاء فحسب بل انتهاكاً لجوهر الإنسانية.

الجوانب الشكلية (3 نقط): تماسك العرض، سلامة اللغة، وضوح الخط وعلامات الترقيم.

¹ هيغل، غ. و. ف. (1807). فينومينولوجيا الروح. ترجمة ناجي العونلي. دار الجنوب للنشر، تونس، 1993.