النص
يتساءل الفلاسفة منذ القديم عن الأساس الذي يقوم عليه المجتمع والسلطة. هل نشأت الدولة بقوة السيف والغلبة، أم أن للإنسان العاقل دوراً في اختيار نظام يحكمه؟ يرى أصحاب نظرية العقد الاجتماعي أن الإنسان عاش في البداية في حالة طبيعية غاب فيها القانون وساد فيها قانون الأقوى، مما جعل الحياة غير مستقرة وحقوق الأفراد غير مضمونة. وحين أدرك الإنسان بعقله أن هذه الحالة تهدد وجوده، دفعه ذلك إلى إبرام اتفاق طوعي مع أقرانه، يتنازل فيه كل فرد عن جزء من حريته المطلقة مقابل الحصول على الأمن والحماية وضمان الحقوق.
ومن هذا العقد الحر تنبثق الإرادة العامة التي تمثل مصلحة الجميع لا مصلحة فرد أو فئة بعينها. والقانون في هذا التصور لا يستمد شرعيته من قوة الحاكم أو من العادات الموروثة، بل من كونه تعبيراً عن هذه الإرادة المشتركة التي وافق عليها جميع المتعاقدين. وعلى هذا الأساس يصبح الخضوع للقانون ليس قيداً يُفرض على الفرد من الخارج، بل فعلاً حراً لأن الفرد حين يطيع القانون إنما يطيع إرادته هو التي شارك في صياغتها. هكذا يتحول المجتمع من مجرد تجمع قسري إلى مشروع إنساني يقوم على العقل والتراضي والمساواة بين المواطنين.
الأسئلة
السؤال الأول: الفهم والتحليل (8 نقط)
أ. ما الموضوع الذي يعالجه النص؟ وما الإشكالية الفلسفية التي يطرحها؟ (3 ن)
ب. ما الأطروحة التي يدافع عنها صاحب النص؟ اشرحها مستعيناً بمفهومَي "الحالة الطبيعية" و"الإرادة العامة" كما وردا في النص. (5 ن)
السؤال الثاني: المناقشة (12 نقط)
أ. ناقش الأطروحة التي حللتها: ما قيمتها؟ وما حدودها؟ (6 ن)
ب. انطلق من حدود هذه الأطروحة لتعرض موقفاً فلسفياً مختلفاً يرى أن المجتمع نتاج طبيعي لا تعاقد حر، مستعيناً بمكتسباتك في مجزوءة المجتمع. (6 ن)
مقترح التصحيح
السؤال الأول (8 نقط)
أ. الموضوع والإشكالية (3 ن)
الموضوع: يعالج النص أساس نشأة المجتمع والسلطة ومصدر شرعية القانون. (1 ن)
الإشكالية: هل ينشأ المجتمع والقانون عبر تعاقد حر بين أفراد عقلاء يسعون لضمان حقوقهم ومصالحهم المشتركة، أم أن هناك أساساً آخر لنشأة الجماعة والسلطة كالطبيعة الإنسانية أو القوة؟ (2 ن)
ب. الأطروحة والمفاهيم (5 ن)
الأطروحة: يرى صاحب النص أن المجتمع والسلطة نتاج عقد حر أبرمه الأفراد طوعاً للخروج من فوضى الحالة الطبيعية، وأن القانون لا يستمد شرعيته إلا من الإرادة العامة التي تعبر عن مصلحة الجميع، مما يجعل طاعة القانون فعلاً حراً لا خضوعاً قسرياً. (2 ن)
الحالة الطبيعية: هي الحالة الافتراضية التي سبقت نشأة المجتمع المدني وغاب فيها القانون وساد قانون الأقوى، وكانت فيها حقوق الأفراد غير مضمونة وحياتهم غير مستقرة، وهي ما دفع الإنسان العاقل إلى البحث عن بديل منظم. (1.5 ن)
الإرادة العامة: هي الإرادة المشتركة التي تنبثق عن اتفاق جميع المتعاقدين وتعبر عن مصلحة الجميع لا عن مصلحة فرد أو فئة، وهي المصدر الوحيد للسلطة المشروعة والقانون العادل. (1.5 ن)
السؤال الثاني (12 نقط)
أ. قيمة الأطروحة وحدودها (6 ن)
القيمة (3 ن): تكمن قيمة هذه الأطروحة في تأسيسها شرعية السلطة على إرادة الشعب لا على القوة أو الوراثة، وهي الأساس الفلسفي للديمقراطية الحديثة وحقوق الإنسان. كما تجعل القانون تعبيراً عن العقل المشترك لا عن الخضوع القسري، مما يمنح المواطن كرامته ويجعله شريكاً في بناء نظامه.
الحدود (3 ن): غير أن هذه الأطروحة تواجه انتقادات جدية. فهي تقوم على افتراض تاريخي لم يحدث فعلاً إذ لا توجد وثيقة تاريخية لعقد اجتماعي أصلي. كما أن مفهوم الإرادة العامة يبقى غامضاً في التطبيق فمن يحدد ما تريده الجماعة حقاً؟ وقد تُستخدم هذه الفكرة لتبرير إلغاء الحريات الفردية باسم الإرادة الجماعية.
ب. الموقف المختلف (6 ن)
يُقبل كل موقف مدروس مربوط بالإشكالية، من بينها:
الموقف الطبيعي الذي يرى المجتمع غريزة لا تعاقداً: الإنسان كائن اجتماعي بالطبع كما قال أرسطو، والمجتمع ينشأ تلقائياً من الأسرة ومن الحاجة المتبادلة لا من قرار عقلي واعٍ. الدولة هي اكتمال الطبيعة الإنسانية لا اختراع ضد طبيعتها.
الموقف الذي يرى القوة أساس السلطة التاريخية: في الواقع التاريخي لم تنشأ الدول بتعاقد حر بل بالغلبة والحرب والتوارث، وفكرة العقد الاجتماعي هي تبرير فلسفي لاحق لواقع قائم لا وصف لكيفية نشأته الفعلية.
في جميع الحالات يجب أن يُظهر التلميذ كيف يختلف الموقف المعروض عن أطروحة النص ويربطه بالإشكالية المطروحة. (6 ن)